وليت هنالك طريقاً سهلاً عن طريق تحول الجماهير بجملتها إلى الإسلام منذ أول وهلة في الدعوة باللسان ، وببيان أحكام الإسلام! ولكن هذه إنما هي"الأمانيّ"! فالجماهير لا تتحول أبداً من الجاهلية وعبادة الطواغيت ، إلى الإسلام وعبادة الله وحده إلا عن ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة.. والذي يبدؤه فرد ، ثم تتبعه طليعة ، ثم تتحرك هذه الطليعة في وجه الجاهلية لتعاني ما تعاني حتى يحكم الله بينها وبين قومها بالحق ويمكّن لها في الأرض.. ثم.. يدخل الناس في دين الله أفواجاً.. ودين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي لا يرضى من الناس ديناً غيره {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة الحكم في موقف يوسف عليه السلام.
إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية. كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكماً مطاعاً لا خادماً في وضع جاهلي. وكان الأمر كما توقع فتمكن بسيطرته من الدعوة لدينه ونشره في مصر في أيام حكمه. وقد توارى العزيز وتوارى الملك تماماً..
ثم نعود بعد هذا الاستطراد إلى صلب القصة وإلى صلب السياق. إن السياق لا يثبت أن الملك وافق. فكأنما يقول: إن الطلب تضمن الموافقة! زيادة في تكريم يوسف ، وإظهار مكانته عند الملك. فيكفي أن يقول ليجاب ، بل ليكون قوله هو الجواب.. ومن ثم يحذف رد الملك ، ويدع القارئ يفهم أنه أصبح في المكان الذي طلبه.
ويؤيد هذا الذي نقوله تعقيب السياق:
وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء.
ولا نضيع أجر المحسنين.. ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون..