فعلى هذا النحو من إظهار براءة يوسف ، ومن إعجاب الملك به ، ومن الاستجابة له فيما طلب.. على هذا النحو مكنا ليوسف في الأرض ، وثبتنا قدميه ، وجعلنا له فيها مكاناً ملحوظاً. والأرض هي مصر. أو هي هذه الأرض كلها باعتبار أن مصر يومذاك أعظم ممالكها.
{يتبوأ منها حيث يشاء} ..
ينخذ منها المنزل الذي يريد ، والمكان الذي يريد ، والمكانة التي يريد. في مقابل الجب وما فيه من مخاوف ، والسجن وما فيه من قيود.
{نصيب برحمتنا من نشاء} ..
فنبدله من العسر يسراً ، ومن الضيق فرجاً. ومن الخوف أمناً ، ومن القيد حرية ، ومن الهوان على الناس عزاً ومقاماً علياً.
{ولا نضيع أجر المحسنين} ..
الذين يحسنون الإيمان بالله ، والتوكل عليه ، والاتجاه إليه ، ويحسنون السلوك والعمل والتصرف مع الناس.. هذا في الدنيا..
{ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} ..
فلا ينقص منه المتاع في الدنيا وإن كان خيراً من متاع الدنيا ، متى آمن الإنسان واتقى. فاطمأن بإيمانه إلى ربه ، وراقبه بتقواه في سره وجهره.
وهكذا عوض الله يوسف عن المحنة ، تلك المكانة في الأرض ، وهذه البشرى في الآخرة جزاء وفاقاً على الإيمان والصبر والإحسان.
ودارت عجلة الزمن. وطوى السياق دوراتها بما كان فيها طوال سنوات الرخاء. فلم يذكر كيف كان الخصب ، وكيف زرع الناس. وكيف أدار يوسف جهاز الدولة. وكيف نظم ودبر وادخر. كأن هذه كلها أمور مقررة بقوله:
{إني حفيظ عليم} ..
وكذلك لم يذكر مقدم سني الجدب ، وكيف تلقاها الناس ، وكيف ضاعت الأرزاق.. لأن هذا كله ملحوظ في رؤيا الملك وتأويلها:
{ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون} ..