إن هذا لا يعني بحال أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلاً من الوجهة الشرعية. ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له ، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه بل الذي لا تعيش إلا به ليس قائماً الآن فعلاً. ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقاً بقيام ذلك المجتمع.. ويبقى الالتزام بها قائماً في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي ؛ ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية وطواغيتها المتألهة وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية..
إن إدراك طبيعة النشأة الإسلامية على هذا النحو الذي لا يتغير ، كلما قامت الجاهلية وقامت في وجهها محاولة إسلامية.. هو نقطة البدء في العمل الحقيقي البناء لإعادة هذا الدين إلى الوجود الفعلي ، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة الله في خلال القرنين الأخيرين ، وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام ؛ وإن بقيت المآذن والمساجد ، والأدعية والشعائر ؛ تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين ؛ وتوهمهم أنه لا يزال بخير ؛ وهو يمحى من الوجود محواً!
إن المجتمع المسلم وجد قبل أن توجد الشعائر ، وقبل أن توجد المساجد.
.وجد من يوم أن قيل للناس: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، فعبدوه. ولم تكن عبادتهم له ممثلة في الشعائر ، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت. إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة له وحده من ناحية المبدأ فلم تكن بعد قد نزّلت شرائع! وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع ؛ وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه ، إلى جانب ما ورد بنصه في الكتاب والسنة..
وهذا هو الطريق وحده ؛ وليس هنالك طريق آخر..