{وقال الملك: ائتوني به أستخلصه لنفسي.. فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين. قال: اجعلني على خزائن الأرض ، إني حفيظ عليم.. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ، يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين. ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} ..
لقد تبينت للملك براءة يوسف ، وتبين له معها علمه في تفسير الرؤيا ، وحكمته في طلب تمحيص أمر النسوة ، كذلك تبينت له كرامته وإباؤه ، وهو لا يتهافت على الخروج من السجن ، ولا يتهافت على لقاء الملك. وأي ملك؟ ملك مصر! ولكن يقف وقفة الرجل الكريم المتهم في سمعته ، المسجون ظلماً ، يطلب رفع الاتهام عن سمعته قبل أن يطلب رفع السجن عن بدنه ؛ ويطلب الكرامة لشخصه ولدينه الذي يمثله قبل أن يطلب الحظوة عند الملك..
كل أولئك أوقع في نفس الملك احترام هذا الرجل وحبه فقال:
{ائتوني به أستخلصه لنفسي} ..
فهو لا يأتي به من السجن ليطلق سراحه ؛ ولا ليرى هذا الذي يفسر الرؤى ؛ ولا ليسمعه كلمة"الرضاء الملكي السامي!"فيطير بها فرحاً.. كلا! إنما يطلبه ليستخلصه لنفسه ، ويجعله بمكان المستشار واَلنجيّ والصديق..
فيا ليت رجالاً يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام وهم أبرياء مطلقو السراح فيضعوا النير في أعناقهم بأيديهم ؛ ويتهافتوا على نظرة رضى وكلمة ثناء ، وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء.. يا ليت رجالاً من هؤلاء يقرأون هذا القرآن ، ويقرأون قصة يوسف ، ليعرفوا أن الكرامة والإباء والاعتزاز تدر من الربح - حتى المادي أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء!
{وقال الملك: ائتوني به أستخلصه لنفسي} ..
ويحذف السياق جزئية تنفيذ الأمر لنجد يوسف مع الملك..
{فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين} ..