أقبل عليه وقال:
إني أحبّ أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاهاً ، فأجابه بذلك الجواب شفاهاً وشهد قلبه بصحته فعند ذلك.
{قال} له {إنك اليوم لدينا مكين أمين} ، أي: ذو مكانة وأمانة على أمرنا فما ترى أيها الصديق؟ {قال} أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن ، وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنين المجدبة بعنا الغلال فيحصل بهذا الطريق مال عظيم ، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟ فقال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} جمع خزانة وأراد خزائن الطعام والأموال ، والأرض أرض مصر ، أي: خزائن أرضك مصر ، وقال الربيع بن أنس: ، أي: خرج مصر ودخله.
وروى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال:"رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره الله تعالى سنة فأقام في بيته سنة مع الملك". قال الرازي: وهذا من العجائب ؛ لأنه لما تثاقل عند الخروج من السجن سهل الله تعالى عليه ذلك على أحسن الوجوه. ولما سارع في ذكر هذا الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه ، وهذا يدل على أنّ ترك التصرف أتم ، والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى ، ثم قال: {إني حفيظ عليم} ، أي: ذو حفظ وعلم بأمرها ، وقيل: كاتب وحاسب. فإن قيل: لم طلب يوسف عليه السلام الإمارة والنبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة:"لا تسأل الإمارة". ولم طلب الإمارة من سلطان كافر ، ولم لم يصبر مدّة ، ولم أظهر الرغبة في طلبها في الحال ، ولم طلب أمر الخزائن في أوّل الأمر مع أن هذا يورث نوع تهمة ، ولم مدح نفسه وقد قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم ،) ولم ترك الاستثناء في هذا وقد قال تعالى: {ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} (الكهف: ،) فهذه سبعة أسئلة؟.