وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: لما دخلوا عليه كلَّموه بالعبرانية ، فأمر الترجمان فكلَّمهم ليشبِّه عليهم ، فقال للترجمان: قل لهم: أنتم عيون ، بعثكم ملككم لتنظروا إِلى أهل مصر فتخبرونه فيأتينا بالجنود ، فقالوا: لا ، ولكنا قوم لنا أب شيخ كبير ، وكنا اثني عشر ، فهلك منا واحد في الغنم ، وقد خلّفنا عند أبينا أخاً له من أمه ، فقال: إِن كنتم صادقين ، فخلِّفوا عندي بعضكم رهنا ، وائتوني بأخيكم ، فحبس عنده شمعون.
واختلفوا بماذا عرفهم يوسف على قولين.
أحدهما: أنه عرفهم برؤيتهم ، قاله ابن عباس.
والثاني: أنه ما عرفهم حتى تعرَّفوا إِليه ، قاله الحسن.
قوله تعالى: {وهم له منكرون} قال مقاتل: لا يعرفونه.
وفي علَّة كونهم لم يعرفوه قولان:
أحدهما: أنهم جاؤوه مقدِّرين أنه ملك كافر ، فلم يتأملوا منه ما يزول به عنهم الشك.
والثاني: أنهم عاينوا من زِيِّه وحليته ما كان سبباً لإِنكارهم.
وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان لا بساً ثياب حرير ، وفي عنقه طوق من ذهب.
فإن قيل: كيف يخفى من قد أُعطي نصف الحسن ، وكيف يشتبه بغيره؟
فالجواب: أنهم فارقوه طفلاً ورأوه كبيراً ، والأحوال تتغير ، وما توهموا أنه ينال هذه المرتبة.
وقال ابن قتيبة: معنى كونه أُعطي نصف الحسن ، أن الله جعل للحسن غاية وحدّاً ، وجعله لمن شاء من خَلقه ، إِما للملائكة ، أو للحور ، فجعل ليوسف نصف ذلك الحسن ، فكأنه كان حُسناً مقارباً لتلك الوجوه الحسنة ، وليس كما يزعم الناس من أنه أُعطي هذا الحسن ، وأُعطي الناس كلُّهم نصف الحسن.
قوله تعالى: {ولما جهَّزَهم بِجَهَازِهم} يقال: جهَّزت القوم تجهيزاً: إِذا هيأت لهم ما يصلحهم ، وجهاز البيت: متاعه.
قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيراً ، وقال: {ألا ترون أني أوفي الكيل} أي: أُتمه ولا أَبْخَسُه ، {وأنا خير المنزِلين} يعني: المضِيفين ، وذلك أنه أحسنَ ضيافتهم.