والثالث: أنه أراد أن حفظي وعِلمي يزيدان على حفظ غيري وعِلمه ، فلم يحتج هذا إِلى الاستثناء ، لعدم الشك فيه ، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري.
فإن قيل: كيف مدح نفسه بهذا القول ، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟
فالجواب: أنه لما خلا مدحُه لنفسه من بغي وتكبر ، وكان مراده به الوصول إِلى حق يقيمه وعدل يحييه وجور يبطله ، كان ذلك جميلاً جائزاً ، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم:"أنا أكرم ولد آدم على ربه"، وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: والله ما من آية إِلا وأنا أعلم أبِليل نزلت ، أم بنهار.
وقال ابن مسعود: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإِبل لأتيته.
فهذه الأشياء ، خرجت مخرج الشكر لله ، وتعريف المستفيد ما عند المفيد ، ذكر هذا محمد بن القاسم.
قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه ، وأنه ليس من المحظور في قوله: {فلا تزكُّوا أنفسكم} [النجم: 32] .
قوله تعالى: {وكذلك مكَّنَّا ليوسف} في الكلام محذوف ، تقديره: اجعلني على خزائن الأرض ، قال: قد فعلت ، فحُذف ذلك ، لأن قوله:"وكذلك مكنا ليوسف"يدل عليه ، والمعنى: ومثل ذلك الإِنعام الذي أنعما عليه في دفع المكروه عنه ، وتخليصه من السجن ، وتقريبه من قلب الملك ، أقدرناه على ما يريد في أرض مصر {يتبوَّأ منها حيث يشاء} قال ابن عباس: ينزل حيث أراد.
وقرأ ابن كثير ، والمفضل:"حيث نشاء"بالنون.
قوله تعالى: {نصيب برحمتنا} أي: نختصُّ بنعمتنا من النبوَّة والنجاة {مَن نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} يعني المؤمنين.