والثاني: حفيظ لما استودعتني ، عليم بهذه السنين ، قاله الحسن.
والثالث: حفيظ للحساب ، عليم بالألسن ، قاله السدي ، وذلك أن الناس كانوا يَرِدُون على الملك من كل ناحية فيتكلمون بلغات مختلفة.
واختلفوا ، هل وَّلاه الملك يومئذ ، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه وَّلاه بعد سنة ، روى الضحاك عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"رحم الله أخي يوسف ، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض ، لاستعمله من ساعته ، ولكنه أَخَّر ذلك سنة".
وذكر مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لو أن يوسف قال إِني حفيظ عليم إِن شاء الله ، لملك من وقته"قال مجاهد: أسلم الملك على يد يوسف.
وقال أهل السِّيَر: أقام في بيت الملك سنة ، فلما انصرمت ، دعاه الملك ، فتوَّجه ، وردَّاه بسيفه ، وأمر له بسرير من ذهب ، وضرب عليه كِلَّةً من إِستبرق ، فجلس على السرير كالقمر ، ودانت له الملوك ، ولزم الملك بيته ، وفوَّض أمره إِليه ، وعزل قُطَفِير عما كان عليه ، وجعل يوسف مكانه ، ثم إِن قطفير هلك في تلك الليالي ، فزوَّج الملكُ يوسفَ بامرأة قطفير ، فلما دخل عليها ، قال: أليس هذا خيراً مما تريدين؟ فقالت: أيها الصِّدِّيق لا تلمني ، فاني كنت امرأة حسناء في مُلك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، فغلبتني نفسي ، فلما بنى بها يوسف وجدها عذراء ، فولدت له ابنين ، إِفَراييم ومِيشا ، واستوسق له ملك مصر.
والقول الثاني: أنه ملَّكه بعد سنة ونصف ، حكاه مقاتل عن ابن عباس.
والثالث: أنه سلَّم إِليه الأمر من وقته ، قاله وهب ، وابن السائب.
فإن قيل: كيف قال يوسف:"إني حفيظ عليم"ولم يقل: إِن شاء الله؟ فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخِّر تمليكُه ، على ما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه أضمر الاستثناء ، كما أضمروه في قولهم: {ونمير أهلها} .