وعن ابن عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) : من السكك المتفرقة، ما كان يغني عنهم من قضاء اللَّه شيئًا إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، يقول: بدأها فتكلم بها.
(وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) يقول: حافظًا لما علمناه، وقيل: حافظًا له؛ عالمًا به، وقيل؛ (لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) أي: عمل بجميع ما علم وانتفع به، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) لم ينتفعوا بما علموا.
ويحتمل: وإنه لذو علم بقصة يوسف من أولها إلى آخرها؛ كما أخبرناه (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ذلك.
وجائز أن يكون قوله: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) أي: ما أصابه من الحزن؛ بذهاب يوسف وأخيه، وما أصابه من الشدة والنكبة لم يؤثر ذلك في علمه الذي علمناه، وإن أثر ذلك في نفسه وبدنه، أي علمه بما علمناه بعدما أصابه ما أصابه؛ كهو ما كان قبل ذلك،
لم يعمل فيه ولم يؤثر.
وعن الحسن - فيما أظن - في قول يعقوب لبنيه: (لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) قال: أما واللَّه ما كانت به طيرة تطير بها؛ ولكن قد علم أو ظن أن يوسف سيلقى أخاه؛ فيقول: إني أنا أخوك.
وأكثر أهل التأويل قالوا: قوله: (إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) أي: خيفة العين على بنيه؛ لجمالهم، وبهائهم، وحسن صورهم، أو لما يكون لواحد كذا كذا عددًا من البنين فيقصدون قصدهم بالنكاية عليهم لما ذكرنا أو ما أراد بذلك. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) .
هذا يحتمل وجهين:
يحتمل أنهم لما دخلوا البلد الذي فيه دعا يوسف أخاه وحن إليه ويحتمل أنهم دخلوا جميعًا على يوسف؛ فضم أخاه إلى نفسه؛ فقال: إني أنا أخوك.