وفي وجه خيانة الملك في ذلك قولان:
أحدهما: لكون العزيز وزيره ، فالمعنى: لم أخنه في امرأة وزيره ، قاله ابن الأنباري.
والثاني: لم أخنه في بنت أخته ، وكانت أزليخا بنت أخت الملك ، قاله أبو سليمان الدمشقي.
والرابع: أن المشار إِليه بقوله:"ليعلم"الله ، فالمعنى: ليعلم الله أني لم أخنه ، روي عن مجاهد ، قال ابن الأنباري: نسبَ العلم إِلى الله في الظاهر ، وهو في المعنى للمخلوقين ، كقوله: {حتى نعلم المجاهدين منكم} [محمد: 31] .
فإن قيل: إِن كان يوسف قال هذا في مجلس الملك ، فكيف قال:"ليعلم"ولم يقل: لتعلم ، وهو يخاطبه؟
فالجواب: أنا إِن قلنا: إِنه كان حاضراً عند الملك ، فانما آثر الخطاب بالياء توقيراً للملك ، كما يقول الرجل للوزير: إِن رأى الوزير أن يوقّع في قصتي.
وإِن قلنا: إِنه كان غائباً ، فلا وجه لدخول التاء ، وكذلك إِن قلنا: إِنه عنى العزيز ، والعزيز غائب عن مجلس الملك حينئذ.
والقول الثاني: أنه قول امرأة العزيز ، فعلى هذا يتصل بما قبله ، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته الآن بالكذب عليه.
والثالث: أنه قول العزيز ، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب ، فلم أغفل عن مجازاته على أمانته ، حكى القولين الماوردي.
قوله تعالى: {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} قال ابن عباس: لا يصوِّب عمل الزناة ، وقال غيره: لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته.
قوله تعالى: {وما أبرِّىء} في القائل لهذا ثلاثة أقوال ، وهي التي تقدمت في الآية قبلها.
فالذين قالوا: هو يوسف ، اختلفوا في سبب قوله لذلك على خمسة أقوال:
أحدها: أنه لما قال:"ليعلم أني لم أخُنه بالغيب"غمزه جبريل ، فقال: ولا حين هممتَ؟ فقال:"وما أبرئ نفسي"، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال الأكثرون.