فهَمُّ يوسف بها هو الميل الفطري إلى مثل هذا الأمر، ولكن هذا الأمر لم يكن سوى خاطر عارض صرفه الله عنه، وعصمه من الوقوع فيه، بما أودعه في قلبه من علم يقيني بحرمة هذا الفعل، ومن يقع في مثل هذا الفعل لا يجهل أنه حرام، كما أن من يقع في المعاصي كالقتل والسرقة وشرب الخمر لا يخفى عليه أن هذا حرام، ولكن المهمّ أن يبقى الإحساس بحرمة هذه المحرمات شعلة في قلب المؤمن وإحساسه، كلما همَّ بالوقوع في واحد منها أضاءت له هذه الشعلة طريقه، فرأى برهان ربه وآياته الدالة على بشاعة الذنب؛ كأنها مكتوبة بين عينيه.
كما يدفع ما قاله به بعض المفسرين مما يطعن في عصمة يوسف قول الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} (يوسف: 24) أي: هذا ديدن الله مع هذا الشاب المبارك والنبي الكريم، أي: كما أنه رأى برهان ربه فانصرف عنها، يصرفه الله دائمًا عن السوء والفحشاء، ومع ما في قوله:
{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} من دليل على سبب حفظ الله له من الوقوع في الذنوب، إلّا أنه كذلك شهادة من الله بأنّ يوسف عبد مصطفى ونبي مجتبى ورسول مخلص منتقى من بين الناس؛ ليكون موضع وحي الله وواسطة بين الله والناس، ومن كان كذلك هل يعقل أن يقال في همِّه بامرأة العزيز ما قيل.