والخلاصة: تأول يوسف عليه السّلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين محصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة.
ثم بشرهم بمجيء عام يغاث فيه الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس فيه ما كانوا يعصرون عادة من زيت الزيتون وسكر القصب وشراب التمر والعنب ونحوها.
وهذا الإخبار بمغيبات المستقبل من وحي الله وإلهامه، لا مجرد تعبير للرؤيا، فهو بشارة في العام الخامس عشر بعد تأويل الرؤيا بمجيء عام مبارك خصيب، كثير الخير، غزير النعم، وهو إخبار من جهة الوحي.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات تعبير رؤيا الملك الذي كان سببا في خروج يوسف من السجن، وقد دلت على الآتي:
1 -لما دنا فرج يوسف عليه السّلام رأى الملك الأكبر: الرّيان بن الوليد رؤياه، فعرضها على الكهنة والعلماء، فاعتذروا عن تأويلها، وكان عجزهم عن التعبير سببا في إحالة الأمر إلى يوسف.
2 -كانت رؤيا الملك في آخر الأمر بشرى ورحمة ليوسف.
3 -الرؤيا نوعان: منها حق، ومنها أضغاث أحلام وهي الكاذبة، كما قال ابن عباس.
4 -في الآية دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على أوّل ما تعبر لأن القوم قالوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ ولم تقع كذلك فإن يوسف فسّرها على سنّي الجدب والخصب، فكان كما عبّر، وأما حديث أبي يعلى عن أنس مرفوعا:
«الرؤيا لأول عابر» فيظهر أنه ضعيف.
وفيها دليل أيضا على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت.
وأما الحديث المتقدم الذي رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ والمعنى فلم تثبت صحته.
5 -إن تذكر الخير والإقدام على فعله بعد نسيان، كما حدث للناجي الذي نسي ذكر أمر يوسف للملك، مردّه إلى القضاء والقدر والتوفيق الإلهي.
6 -كان ذهاب ساقي الملك إلى يوسف في سجنه سببا في معرفة مكانه في الفضل والعلم، فخرج من السجن، كما كان تأويل الرؤيا سببا في إنقاذ أهل مصر من المجاعة مدة سبع سنوات، وهكذا فإن الأنبياء والرسل عليهم السلام رحمة
للناس جميعا، سواء في تصحيح العقيدة وتقويم الأخلاق، وتصحيح السلوك، أو في الحياة المعيشية والاقتصادية.