الثالث: أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة يدل أيضاً على شدة طهارته إذ لو كان ملوثاً بوجه ما ، لكان خائفاً أن يذكر ما سبق.
الرابع: أنه حين قال للشرابي: {اذكرنى عِندَ رَبّكَ} فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين وههنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزناً ، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة ، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله ، وكان هذا العمل جارياً مجرى التلافي لما صدر من التوسل إليه في قوله: {اذكرنى عِندَ رَبّكَ} ليظهر أيضاً هذا المعنى لذلك الشرابي ، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معاً.
أما قوله: {وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول} ففيه مسألتان:
المسألة الأولى:
قرأ ابن كثير والكسائي {فسله} بغير همز والباقون {رَبّكَ فَاسْأَلْهُ} بالهمز ، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه {النسوة} بضم النون والباقون بكسر النون ، وهما لغتان.
المسألة الثانية:
اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف: أولها: أن معنى الآية: فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براتي عن تلك التهمة ، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل وثانيها: أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل ، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة.
وثالثها: أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك ، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله: {مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل.
ثم قال يوسف بعد ذلك: {إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} وفي المراد من قوله: {إِنَّ رَبّى} وجهان: الأول: أنه هو الله تعالى ، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور.