قال الكلبي: لما سأل الملك عن رؤياه، جثا الساقي بين يديه بعد انقضاء جواب الملأ، فقال للملك: إني قصصت أنا والخباز على رجل في السجن منامين فخبّرنا بتأويلها فصدق في جميع ما وصف، ولم يسقط من تأويله شيء ، إن أذنت مضيت إليه وأتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا، فإنه رجل صالح فاضل عالم ظاهر المحاسن، فأذن له الملك في قصده، فذلك قوله: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} قال ابن عباس: يريد أحد العبدين، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا.
وقوله تعالى: {وَادَّكَرَ} ذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} في سورة القمر.
وقوله تعالى: {بَعْدَ أُمَّةٍ} قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعامة أهل التفسير والمعاني: بعد حين.
قال بعض أهل المعاني: هي الجملة من الحين، والجماعة من الحين؛ لأن الجماعة الكثيرة من الناس أمة يدل على صحة هذا ما روى عطاء عن ابن عباس"بعد أمة"بعد سنين.
فإن قيل أكثر المفسرين على أن معنى قوله:"وادكر"دليل على أن الناسي هو الساقي.
قال ابن الأنباري: يقال إذ ادكر بمعنى: ذكر وأخبر الملك، وصلح أن يكون ادكر بمعنى ذكر، كما تقول احتلب بمعنى حَلبَ، واعتدى بمعنى عدى في قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] . وذكر لا يدل على نسيان سبقه.
وقد قال الكلبي فيما روي عن ابن عباس: إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تعبير رؤياه، خوفًا من أن يكون ذلك إذكارًا لذنبه الذي من أجله حبسه الملك مع الخباز، فكتم أمره ولم يبده للملك لهذه العلة، فهذا يدل على أن الساقي قد نسي ذلك لقضاء الله تعالى في كون يوسف مدة في السجن، أنساه ذلك من غير أن ينسب النسيان إلى الساقي في قوله {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ} ويكون نسيان الساقي غير مذكور، ويستدل عليه بقوله {وَادَّكَرَ} . ومن نسب النسيان إلى الساقي فَسّر الادّكار على ظاهره ولم ينقله إلى معنى الذكر.