قال النحاس: ولا يعرف أهل اللغة إلا دَأَبَ.
والقول الآخر: إنه حُرِّكَ لأن فيه حرفاً من حروف الحلق ؛ قاله الفراء ، قال: وكذلك كل حرف فتح أوله وسكن ثانيه فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزة ، أو هاء ، أو عيناً ، أو غيناً ، أو حاء ، أو خاء ؛ وأصله العادة ؛ قال:
كدَأْبِكَ مِنْ أمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا ...
وقد مضى في"آل عمران"القول فيه.
{فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} قيل: لئلا يتسوّس ، وليكون أبقى ؛ وهكذا الأمر في ديار مصر.
{إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} أي استخرجوا ما تحتاجون إليه بقدر الحاجة ؛ وهذا القول منه أمر ، والأول خبر.
ويحتمل أن يكون الأول أيضاً أمراً ، وإن كان الأظهر منه الخبر ؛ فيكون معنى"تَزْرَعُونَ"أي ازرعوا.
الثانية: هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال ؛ فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة ، وكل ما يُفوّت شيئاً منها فهو مفسدة ، ودفعه مصلحة ؛ ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ؛ ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية ، ومراعاة ذلك فضل من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده ، من غير وجوب عليه ، ولا استحقاق ؛ هذا مذهب كافة المحقِّقين من أهل السنّة أجمعين ؛ وبسطه في أصول الفقه.
{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) }
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {سَبْعٌ شِدَادٌ} يعني السّنين المجدِبات.
{يَأْكُلْنَ} مجاز ، والمعنى يأكل أهلهنّ.
{مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي ما ادّخرتم لأجلهن ؛ ونحوه قول القائل:
نهارُك يا مغرورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ...
ولَيلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لَكَ لازمُ