مِنْ رَوْعَةِ الْجَمَالِ مَا خَلَبَ أَلْبَابَكُنَّ فِي الْوَهْلَةِ الْأُولَى مِنْ ظُهُورِهِ لَكُنَّ ، فَمَا قَوْلُكُنَّ فِي أَمْرِي مَعَهُ وَافْتِتَانِي بِهِ ، وَإِنَّمَا تَرَعْرَعَ فِي دَارِي ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى بَيْنَ سَمْعِي وَبَصَرِي ، فَأَنَا أُشَاهِدُهُ فِي قُعُودِهِ وَقِيَامِهِ ، وَيَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ ، وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ ، وَحَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ ، وَأَخْلُو بِهِ فِي لَيْلِي وَنَهَارِي ، فَأَرَاهُ بَشَرًا سَوِيًّا ، إِنْسِيًّا لَا جِنِّيًّا ، وَجَسَدًا لَا مَلَكًا رُوحَانِيًّا ، فَأَتَرَاءَى لَهُ فِي زِينَتِي ، وَأَعْرِضُ عَلَى نَظَرِهِ مَا ظَهَرَ وَمَا خَفِيَ مِنْ مَحَاسِنِي ، فَيُعْرِضُ عَنْهَا احْتِقَارًا ، فَأَتَصَبَّاهُ بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ مِنْ كَلَامٍ عَذْبٍ يَخْلُبُ اللُّبَّ ، وَلِينِ قَوْلٍ وَخُشُوعِ صَوْتٍ يُرَقِّقُ الْقَلْبَ ، فَلَا يَصْبُو إِلَيَّ ، وَأَمُدُّ عَيْنَيَّ إِلَى مَحَاسِنِهِ فِيهِمَا كُلُّ مَا يُكِنُّهُ قَلْبِي مِنْ صَبَابَةٍ وَشَوْقٍ وَخَلَاعَةٍ ، مَعَ فُتُورِ جَفْنٍ ، وَانْكِسَارِ طَرْفٍ ، وَطُولِ تَرْنِيقٍ وَتَحْدِيقٍ ، فَلَا يَرْفَعُ إِلَيَّ طَرْفًا ، وَلَا يَمِيلُ نَحْوِي عَطْفًا ، بَلْ تَتَجَلَّى فِيهِ الرُّوحُ الْمَلَكِيَّةُ بِأَظْهَرِ مَجَالِيهَا ، وَالْعِبَادَةُ الْإِلَهِيَّةِ بِأَكْمَلِ مَعَانِيهَا ، أَمِثْلُ هَذَا الْمَلَكِ الْقَاهِرِ يُسَمَّى عَبْدًا طَائِعًا ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْمَقْهُورَةِ تُسَمَّى سَيِّدَةً مَالِكَةً ، تَأْمُرُ بَلْ تَسِيرُ فَتُطَاعُ ، وَيُنْكَرُ عَلَيْهَا أَنْ تُرَاوِدَ فَتُرَدُّ ، ثُمَّ تُرِيدُ إِظْهَارَ سُلْطَانِهَا فَتَعْجِزُ ؟ لَقَدِ انْكَشَفَ الْقِنَاعُ ، فَلَا أَمْرَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ ، (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) أَيِ اسْتَمْسَكَ بِعُرْوَةِ