وَقد أعلمتك أَنَّ الْمَحَبَّةَ كَشَجَرَةٍ وَأَنَّ النَّظَرَاتِ كَمَاءٍ يَجْرِي إِلَيْهَا فَكُلَّمَا سَقَاهَا عَتَتْ وَعَسَتْ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ هَذِهِ الآفَاتُ مِنْ بَابِ إِطْلاقِ الْبَصَرِ فِيمَا حَظَّرَهُ الشَّرْعُ فَبِذَلِكَ تَمَكَّنَ سُلْطَانُ الْهَوَى مِنَ الْقَلْبِ فَبَثَّ جُنْدُ الْفَسَادِ فِي رُسْتَاقِ الْبَدَنِ وَكَمْ قَدْ تَمَكَّنَ هَذَا الْمَرَضُ مِنْ شَخْصٍ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ عذل عاذل وَضرب ضَارِبٍ.
وَعِلاجُ هَذَا الْمَرَضِ مِنْ جِنْسِ مَا تَقَدَّمَ إِلا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى قُوَّةٍ شَدِيدَةٍ فِي الْعَزْمِ عَلَى الْغَضِّ وَهَجْرِ الْمَحْبُوبِ قَطْعًا بَتًّا ليعود بالغض غض نَبَاتُ الْمَحَبَّةِ الَّذِي سُقِيَ بِمِيَاهِ النَّظَرَاتِ هَشِيمًا
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَتْ مِيَاهُ الْوَادِي نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ وَأَنْشَفَتْهُ فَعَادَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ
وَدَوَامُ الْبُعْدِ عَنِ الْمَحْبُوبِ يَعْمَلُ فِي مَحْوِ مَا نُقِشَ فِي الْقَلْبِ فَيَمْحُوَ الْيَسِيرَ مِنْهُ بَعْدَ الْيَسِيرَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ كَمَا أَنَّ مُرُورَ الزَّمَانِ يَمْحَوُ أَثَرَ الْمُصِيبَةِ مِنَ الْقَلْبِ
وَمَتَى اشْتَدَّتِ الْعَزِيمَةُ فَقَطَعَتِ الطَّمَعَ وَمَكَّنَتِ الْيَأْسَ ثُمَّ أُجِيلَ الْفِكْرُ فِي خَوْفِ الْعَوَاقِبِ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقُوبَةِ فِي الأُخْرَى وَكُرِّرَ عَلَى النَّفْسِ مَا سَبَقَ مِنْ ذَمِّ الْهَوَى وَمَا فَعَلَ بِأَرْبَابِهِ فَأَضْنَاهُمْ وَأَمْرَضَهُمْ وَأَذْهَبَ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ وَجَاهَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ فَاسْتَغَاثُوا بَعْدَ الْفَوْتِ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ كَبُرَتْ جِنَايَتِي عَلَى نَفْسِي وَكَرَّرْتُ النَّظَرَ وَانْتَقَشَتْ صُورَةَ الْمَحْبُوبِ فِي قَلْبِي وَأُورِثْتُ الْقَلَقَ الدَّائِمَ وَرَأَتْ النَّفْسِيّ أَنَّهَا تَسْتَشْفِي مِنْ هَذَا الْمَرَضِ بِتِكْرَارِ النَّظَرِ وَالزِّيَارَةِ لِلْمَحْبُوبِ فَلَمَّا فَعَلْتُ زَادَ الأَمْرُ بِي وَمَا أَقْدِرُ أَنْ أَصْبِرَ عَنِ الْحَبِيبِ لَحْظَةً فَهَلْ لِهَذَا مِنْ عَلاجٍ أَتَلافَى فِيهِ أَمْرِي قَبْلَ التَّلَفِ؟