روي أنهم ذَبَحُوا سخلةً ولَطَخُوه بدمها، وزَالَ عنهم أن يمزِّقُوه فلَمَّا سمع يعقوبُ بخبر يوسف، صاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه، وبكى حتى خَضِبَ وَجْهَه بدم القميص، قال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا أَكَل ابني، ولم يمزِّقْ عليه قَمِيصَهُ. وقوله: {قَالَ} مستأنف استئنافًا بيانيًّا كأنه قيل: ما قال يعقوب؟ هل صدَّقهم فيما قالوا: أو لا؟ فقيل: {قَالَ} يعقوب جوابًا لهم لم يكن ذلك الذي أخْبَرْتُمُوه لي صدقًا {بَلْ سَوَّلَتْ} وزينتْ وسَهَّلَتْ {لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ} قاله ابن عباس رضي الله عنهما. والتسويل: تقدير شيء في الأنفس مع الطمع في إتمامه. قال الأزهري: كأن التسويلَ تفعيل من سؤال الأشياء، وهي الأمنية التي يطلبها فيزيَّن لطالبها الباطلُ وغَيْرُه. {أَمْرًا} من الأمور مُنْكرًا لا يُوصَفُ ولا يُعْرَفُ فصنعتموه بيوسف، استدلَّ يَعْقُوبَ على أنهم فَعلُوا بيوسف ما أرادوا، وأنهم كاذبون، بشيئين: بما عرف منْ حسدهم الشديد، وبسلامة القميص، حيث لم يَكُن فيه خرق ولا أثر نَاب؛ فقوله: {بَلْ سَوَّلَتْ} ردٌّ لقولهم: {أكله الذئبُ} ، وبل للإعراض عمَّا قبله، وإثبات ما بعده على سبيل التدارك، نحو: جاء زيد بل عَمْرُو كما في"بحر العلوم"؛ أي: قال يعقوب ليس الأمر كما تقولون: بل زيَّنَتْ لكم أنفسكم أمرًا غَيْرَ ما تَصِفُون. قيل: لَمَّا جاءوا على قميصه بدمِ جَدْيٍ ذهلوا عن خَرْقِ القميص. فلَمَّا رأى يعقوبُ القميصَ صحيحًا قال: كذبتم لو أَكَله الذئبُ لَخَرق قَمِيصَه. وقالَ بعضُهم: بل قَتَلَهُ اللُّصُّ. فقال: كيفَ قَتَلُوه وتَرَكُوا قَمِيصَه؟ وهم إلى قميصه أحْوَجُ منه إلى قَتْلِه. وقيل: إنهم أتوه بذئب، وقالوا: هذا أكَلَه، فقال يعقوب: أيها الذِّئْبُ أنْتَ أكلت ولدي، وثمرة فؤادي، فأنطقه الله عَزَّ وَجَلَّ وقال: والله ما أكلْتُ ولدَكَ ولا رأيته قطُّ، ولا يَحِلُّ لنا أن نأكل لُحومَ الأنبياء. فقال يعقوب: فكيف وَقَعْتَ في أرض كنعان، قال: جئت لصلةِ الرحم قرابة لي فأخذوني، وأتوا بي إليك فأطْلَقَه يعقوب.