(عدم الإتيان بجواب"لمَّا")
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(15) .
وموطن الشاهد عندهم هو قوله جل شأنه: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ ..) .
بحثوا عن جواب"لما"فلم يجدوه، فرموا القرآن بالخطأ؛ لأنه لم يذكر جواب"لما"ثم قالوا:
"فأين جواب لما؟ ولو حذفت الواو التي قبل لما لاستقام المعنى".
الرد على الشبهة:
قلنا إن هذه الشبهة تتعلق بفن الحذف، وهو مبحث بلاغي أكثر منه نحويًّا.
إن كل محذوف عندهم غلط شنيع، وكل حذف خلط فظيع والناس - كما قيل في المثل - أعداء ما جهلوا.
يقول الإمام عبد القاهر الجرجانى - شيخ البلاغيين - في وصف الحذف البلاغي، وروائع ثماره، وبديع آثاره:
"هو بحث دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بياناً إذا لم تُبن".
هذه هي منزلة الحذف في البيان العربي، السارى في أعطاف الكلام سريان النسيم في الرياض الفيحاء، وقد شاع شيوعاً لا حصر له في القرآن الكريم، إذ لم تكد تخلو منه سورة من سوره، ولا آية من آياته والمعاني التي يدل عليها الحذف في القرآن تكاد تعادل ربع معاني القرآن كله. وهو منهج واسع وحكيم من مناهج اللغة العربية لا مثيل له.
ولذلك نجد العلامة اللغوي العظيم ابن جني، يسميه في كتابه"الخصائص"اسمًا طريفًا، هو: شجاعة العربية"."
وينتمي الحذف البلاغي إلى فن بلاغي حصر بعض العلماء البلاغة فيه، وهو"فن الإيجاز"أي قلة الألفاظ مع كثرة المعاني.
وله مقامات يتألق فيها، ومقتضيات يوفي بأغراضها.
ومن مقاماته الحذف الوارد في آية سورة"يوسف"التي رآها من عشا بصره، وغلظ قفاه، وضل عقله خطأ ينبغي أن يصوَّب، ولحنًا يجب أن يقوَّم.
إن حذف جواب"لما"هنا المراد منه تهويل وتفظيع ما حدث من إخوة يوسف ليوسف، بعد أن أذن لهم أبوهم بالذهاب به إلى الصحراء، وقد روى عنهم أنهم أخذوا يؤذونه بالقول والفعل وهم في الطريق إلى المكان الذي قصدوه، حتى كادوا يقتلونه، والدليل على هذا قوله تعالى حكاية عن أحد إخوته: