وعادة القرآن أن لا يذكر إلاّ اسم المقصود من القصّة دون أسماء الذين شملتهم ، مثل قوله: {وقال رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعون} [سورة غافر: 28] .
والإلقاء: الرمي.
والغيابات: جمع غيابة ، وهي ما غاب عن البصر من شيء .
فيقال: غيابة الجبّ وغيابة القبر والمراد قعر الجبّ.
والجبّ: البئر التي تحفر ولا تطوى.
وقرأ نافع ، وأبو جعفر غيابات بالجمع.
ومعناه جهات تلك الغيابة ، أو يجعل الجمع للمبالغة في ماهية الاسم ، كقوله تعالى: {أوْ كظلماتٍ في بحرٍ لجّيّ} [سورة النور: 40] وقرأ الباقون في غيابت الجبّ بالإفراد.
والتّعريف في {الجبّ} تعريف العهد الذهني ، أي في غيابة جب من الجباب مثل قولهم: ادخل السوق.
وهو في المعنى كالنكرة.
فلعلّهم كانوا قد عهدوا جباباً كائنة على أبعاد متناسبة في طرق أسفارهم يأوون إلى قربها في مراحلهم لسقي رواحلهم وشربهم ، وقد توخوا أنْ تكون طرائقهم عليها ، وأحسب أنّها كانت ينصب إليها ماء السيول ، وأنّها لم تكن بعيدة القعر حيث علموا أنّ إلقاءه في الجبّ لا يهشّم عظامه ولا ماء فيه فيغرقه.
و {يلتقطه} جواب الأمر في قوله: {وألقوه} .
والتّقدير: إن تلقوه يلتقطه.
والمقصود من التسبب الذي يفيده جواب الأمر إظهار أنّ ما أشار به القائل من إلقاء يوسف عليه السّلام في غيابة جبّ هو أمثل ممّا أشار به الآخرون من قتله أو تركه بفيفاء مهلكة لأنّه يحصل به إبعاد يوسف عليه السّلام عن أبيه إبعاداً لا يرجى بعدَه تلاقيهما دون إلحاق ضرّ الإعدام بيوسف عليه السّلام ؛ فإنّ التقاط السيّارة إياه أبقى له وأدخل في الغرض من المقصود لهم وهو إبعاده ، لأنّه إذا التقطه السيّارة أخذوه عندهم أو باعوه فزاد بعداً على بعد.
والالتقاط: تناول شيء من الأرض أو الطريق ، واستعير لأخذ شيء مضاع.
والسيّارة: الجماعة الموصوفة بحالة السّير وكثرته ، فتأنيثه لتأويله بالجماعة التي تسير مثل الفلاّحة والبَحّارة.