قال الذهبي:"هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه" ( [20] ) ، وقال يحيى بن سعيد القطان:"ما برح أولوا الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه" ( [21] ) .
وقال:"أهل العلم أهل سعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، وأن المسألة لترد على أحدهم كالجبل، فإذا فتح لها بابها قال ما أهون هذه".
قال ابن تيمية:"قد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) ( [22] ) ، وكان يتناظرون في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين."
نعم، من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافاً لا يُعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع، وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شئ تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة" ( [23] ) ."
ونقل الشاطبي عن بعض المفسرين قوله:"كل مسألة حدثت في الإسلام، ما اختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة، علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء" ( [24] ) ، فلو كان الغاية الحق ما رأيت تنازعاً وشقاقاً بين هذه الأمة، والله المستعان.
المطلب الثالث: أسباب اختلاف الفقهاء
إن المقرر المعلوم ــ الذي لا يخفي على أحد، ولا تخطئه عين ــ وقوع الخلاف بين الفقهاء، وكتب الفقه تعج بذلك، ويجب أن يُعلم أن هناك جملة من الأسباب اتفقت واجتمعت وأكدت حتمية وجود الاختلاف، ومهدت الطريق لحدوثه، ولم يكن مقصوداً لذاته كما بينا، وفي هذا المبحث نطرح هذه الأسباب كما ذكرها العلماء وهي كالآتي:
أولاً: اختلاف بسبب النصوص الشرعية:
ويظهر هذا في الآتي: