لا ينكر أحد وجود الخلاف في الأمة، لا في سابق عهدها، ولا في واقعها المعاصر، وقد وقع في زمان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، كاختلافهم في غنائم بدر، واختلافهم بعد وفاته في غسله ودفنه ومن يكون الخليفة بعده وغير ذلك.
ولا تتوقع أن يتوقف الخلاف نهائياً؛ لأن الوقوع أظهر دليل على الجواز، ولكن نريد ترشيد هذا الخلاف ليكون خلافاً مثمراً، داعياً إلى البحث والتنقيب والوصول إلى الحق. والذي يجعل الخلاف أمراً حتمياً ما يلي:
(1) تفاوت الناس في أفهامهم وقدراتهم على تحصيل العلم؛ فالناس بحكم الخلقة يختلفون ويتفاوتون في الاستيعاب والنظر في المسائل وجمع أطرافها، وهذا يؤدي بالضرورة إلى وقوع الخلاف بحسب هذا التفاوت؛ وقد ضرب الله مثلاً لهذا النوع من التفاوت، فقال تعالى: (أنزل من السماء ماء فسألت أودية بقدرها) ( [7] ) ، قال ابن كثير رحمه الله:" (أنزل من السماء ماء) أي مطراً، (فسالت أودية بقدرها) أي أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيراً من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علماً كثيراً، ومنها ما لا يسع الكثير من العلوم بل يضيق عنها" ( [8] ) .
(2) وضرب كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً فقال: (( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً: فكان منها طائفة قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله به الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعمل، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) ). قال الحافظ:"قال القرطبي وغيره: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، وشبَّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، ومنهم الجامع للعلم غير أنه لم يعمل ولم يتفقه، ومنهم من يسمع ولا يحفظ ولا يعمل به" ( [9] ) .