وسبق أن ضربنا مثلاً ولله المثل الأعلى بعميد الكلية الذي يعلن للأساتذة ضرورة ترشيح المتفوقين في كل قسم ؛ لأن هناك جوائز في انتظارهم ، فيرشح كل أستاذ أسماء المتفوقين الذين لمسَ فيهم النبوغ والإخلاص للعلم ، ويطلب العميد من أساتذة من خارج جامعته أن يضعوا امتحانات مفاجئة لمجموع الطلاب ؛ ويُفاجأ العميد بتفوق الطلبة الذين لمس فيهم أساتذتهم النبوغ والإخلاص للعلم ، وهنا يتحقق العميد من صدق تنبؤ الأساتذة الذين يعملون تحت قيادته .
ولكن قد تحدث مفاجأة: أن يتخلف واحد من هؤلاء الطلبة لمرض أصابه أو طارئ يطرأ عليه من تعب أعصاب أو إرهاق أو غير ذلك ؛ وبهذا يختلّ تقدير أستاذه ؛ لكن تقدير الحق سبحانه مُنزَّه عن الخطأ ، وما عَلِمه أزلاً فهو مُحقَّق لا محالة ؛ لذلك بيَّن لنا أنه عِلْم أزليّ ، ويتحدى الكافر به أن يغيره .
وكلنا يعرف أن الحق سبحانه أنزل قوله الكريم:
{تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] .
وسمعها أبو لهب ولم يتحدها بإعلان الإيمان ولو نفاقاً .
وقول الحق: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} تبيِّن لنا أن الحق سبحانه إنْ قال شيئاً فهو قد تَمَّ بالفعل ؛ فلا رادَّ لمشيئته ، أما نحن فعلينا أن نسبق كل وعد بعمل سنقوم به بقول: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الكهف: 24] .
لأن الحق يقول لنا: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الكهف: 2324] .
وفي هذا احترامٌ لوضعنا البشري ، وإيمانٌ بغلبة القهر ، ومعرفة لحقيقة أننا من الأغيار ؛ لأن كل حدث من الأحداث يتطلب فاعلاً ؛ ومفعولاً يقع عليه الفعل ؛ ومكاناً ؛ وزماناً ؛ وسبباً ؛ ولا أحدَ مِنَّا يملك أيَّ واحد من تلك العناصر .