هذا معطوف على الأوامر والمنهيات قبله، وقلنا إنه سبحانه نهى عن الظلم والطغيان، والامتناع عن الظلم والطغيان فعل الخير، وإن الظاهر من هذه الآية، وآية الروم، وهي قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ(17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) ، فإن هاتين الآيتين تومئان إلى أوقات الصلوات الخمس، فكانت بعد فرضيتها في المعراج.
وإقامة الصلاة في الأمر (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ) الإتيان مقومة مستوفية أركانها الظاهرة والباطنة من خلوص المشيئة لله تعالى: واستشعار معاني الأركان النفسية، وألا يقصد بها المراءاة، فمن صلى يرائي فقد أشرك، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) .
وطرفا النهار ما هما؟، اختلفت الروايات في ذلك، وأقربها في اعتقادنا، وهو المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الطرفين الفجر أو الصبح، وما بعد الظهر، وزلفا من الليل والزلف الساعات المتقاربة، وفسرها النبي بأنها المغرب والعشاء، وسميت زلفما من الليل، لأن ساعاتهما متقاربة، فما بين المغرب والعشاء متقارب إلى حد اختلاط زمنهما، والاختلاف في حد ما بينهما، وهما بإجماع العلماء صلاة العشي.
وإن تعيين الآيات تقارب أو يتعين اتحادها في هذه الآية، وآية الروم، ولا شك أن إقامة الصلوات الخمس مستوفيات أركانها الظاهرة والباطنة، والاستمرار عليها يطهر النفس من أرجاسها، ويمحو تلك المعاصي التي يغبر بها القلب، ولقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم:"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر".
وذكر شرط اجتناب الكبائر؛ لأنه لَا يمكن أداء هذه العبادات على وجهها، مجتمعا مع الكبائر قط، إذ لَا يجتمع في قلب مؤمن عبادة أديت على وجهها، وارتكاب كبيرة، ولقد أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن".