[429] فإن قيل: إذا كانت السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات وما وراءهما كل ذلك لله تعالى ملكا وخلقا، فما فائدة التخصيص في قوله تعالى: (مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) [يونس: 66] ؟
قلنا: إنما خص العقلاء المميزين بالذكر وهم الملائكة والثقلان، ليعلم أن هؤلاء إذا كانوا عبيدا له وهو ربهم، ولا يصلح أحد منهم للربوبية ولا للشركة معه، فما وراءهم مما لا يعقل كالأصنام والكواكب ونحوهما أحق أن لا تكون له ندا وشريكا.
[430] فإن قيل: كيف قال لهم موسى عليه السلام: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا) [يونس: 77] على طريق الاستفهام، وهم إنما قالوا ذلك على طريق الإخبار أو التحقيق المؤكد بإن واللام لا على طريق الاستفهام، قال الله تعالى: (فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) [يونس: 76] .
قلنا: فيه إضمار تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم إن هذا لسحر مبين. ثم قال أسحر هذا إنكارا لما قالوه، فالاستفهام من قول موسى عليه السلام لا مفعول لقولهم.
[431] فإن قيل: كيف نوّع الخطاب في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 87] فثنى أولا، ثم جمع، ثم أفرد؟
قلنا: خوطب أولا موسى وهارون أن يتبوءا لقومهما بيوتا ويختاراها للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم سبق الخطاب عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأن ذلك واجب على الجمهور، ثم خص موسى عليه السلام بالبشارة تعظيما لها أو تعظيما له عليه السلام.
[432] فإن قيل: كيف قال تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما) [يونس: 89] أضافها إليهما، والدعوة إنما صدرت من موسى عليه السلام، قال الله تعالى: (وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً) [يونس: 88] إلى آخر الآية؟
قلنا: نقل أن موسى عليه السلام كان يدعو وهارون كان يؤمن على دعائه؛ والتأمين دعاء في المعنى فلهذا أضاف الدعوة إليهما.
الثاني: أنه يجوز أن يكون هارون دعا أيضا مع موسى، إلا أن الله تعالى خص موسى بالذكر؛ لأنه كان أسبق بالدّعوة أو أحرص عليها أو أكثر إخلاصا فيها.
[433] فإنه قيل: لو كان كذلك لقال تعالى دعوتاكما بالتثنية؟