والآخر: أن تجعله بعد أن تستعمله ظرفا اسما ، كما قال:
وسطها قد تفلّقا وفي التنزيل: هم درجات عند الله [آل عمران/ 163] .
ويجوز فيه وجه ثالث: وهو أن يتّسع فيقدّر نصبه ، وإن كان مصدرا ، تقدير انتصاب المفعول به ، فأما قوله:
لها حكمها حتّى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا
فعلى حذف أحد المفعولين ، أي: تبوّأت مرعاها مأوى ، وتبوّأ الراعي بقعة مضجعا ، وكذلك قوله: وبوأكم في الأرض [الأعراف/ 74] بوّأكم في الأرض منازل أو بلادا .
وأما قوله: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق [يونس/ 93] ، فالمبوّأ يجوز أن يكون مصدرا ، ويجوز أن
بكون مكانا ، والمفعول الثاني على هذا محذوف كما حذف من قوله: وبوأكم في الأرض ، ويجوز أن ينصب المبوّأ على الاتساع ، وإن كان مصدرا نصب المفعول به ، ألا ترى أنه أجاز ذلك في قوله: أما الضّرب فأنت ضارب ، وأما البيوت من قوله:
بمصر بيوتا فمفعول به ، وليست البيوت بظرف لاختصاصها فالبيوت كالغرف من قوله: لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت/ 58] .
فأما قوله: نتبوأ من الجنة حيث نشاء [الزمر/ 74] ، فيجوز في قياس قول أبي الحسن أن يكون قوله: من الجنة كقولك: نتبوّأ الجنّة . فأمّا قوله: حيث نشاء فيحتمل أن يكون ظرفا ، فإذا جعلته ظرفا كان المفعول الثاني محذوفا ، كأنه: نتبوّأ الجنّة منازلها حيث نشاء ، ويجوز أن يكون: حيث نشاء في موضع نصب ، بأنه المفعول الثاني ، يدلّ على ذلك قول الشمّاخ:
وحلّأها عن ذي الأراكة عامر ... أخو الخضر يرمي حيث تكوى النّواحز
فأمّا قولك: بوّأت فلانا منزلا ، وتعدّيه إلى مفعولين ، فكأنه مفعول من قولك: باء فلان منزله ، أي: لزمه ، وإن كنّا لا نروي ذلك . ولكن يدلّ على ذلك قولهم: المباءة ، وقالوا: