قال: بوّأت فلانا منزلا تبويئا ، والاسم البيئة: فقوله تبوءا في قوله: أن تبوءا فعل يتعدى إلى مفعولين ، يدلّ على ذلك قوله: لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت/ 58] ، فأمّا اللام من قوله: لقومكما فكالّتي في قوله: ردف لكم [النمل/ 72] ، والمفعول الأوّل لعلامة الضمير في قوله:
لنبوئنهم ، ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين:
أحدهما: أن لا يتعدّى نحو: انشوى وانثأى ، في مطاوع شويته وثأيته . والآخر: أن يتعدّى كما تعدّى ما هو مطاوع له ، وذلك نحو: تعلّقته ، وتقطّعته ، فتعلّقته يتعدّى كما تعدّى علقته ، وليس فيه أن ينقص مفعول المطاوع عمّا كان يتعدّى إليه ما هو مطاوع له . فإذا كان كذلك ، كان اللّام على الحدّ الذي ذكرنا ، ويقوّي ذلك قوله: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت [الحج/ 26] ، فدخلت اللام على غير المطاوع كما دخل على المطاوع في قوله: أن تبوءا لقومكما .
فأمّا قوله: مكان البيت فيحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون ظرفا ، والآخر: أن يكون مفعولا ثانيا ، فأما الظرف فيدلّ عليه قوله:
وبوّئت في صميم معشرها ... فصحّ في قومها مبوّئها
فكما أن قوله: «في صميم معشرها» ظرف كذلك يكون مكان البيت .
والمفعول الثاني الذي ذكر في قوله: لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت/ 58] ، ولم يذكر في هذه لأنّ الفعل من باب أعطيت ، فيجوز أن لا يذكر ، ويقتصر على الأول ، ويجوز أن يكون مكان البيت مفعولا ثانيا ، وكذلك قوله: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق [يونس/ 93] ، ويجوز أن يكون مكانا مثل مكان البيت ، والمفعول الثاني فيه محذوف ، وهو القرية* التي ذكرت في قوله: وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها [الأعراف/ 161] ، ويجوز أن يكون مصدرا ، أي تبوّؤ صدق ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا من وجهين: أحدهما: أن تجعله اسما غير ظرف كما قال:
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل