فإذا ترقى في إخلاصه ومراقبته لله تعالى حتى وصل إلى مقام العيان المعبر عنه بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث"الصحيحين":"الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"، واستقام على ذلك كما قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [سورة هود: 112] .
قال الحسن رحمه الله: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"شَمِّرُوْا"، فما رؤي ضاحكاً. أخرجه ابن حاتم.
فقد تحقق حينئذ بمقام الصديقية، وبكمال الإحسان.
والبر - أيضا - اسمٌ من شرطه استصحاب الخوف والحياء، وملازمة الذكر، والعزوف عن الدنيا، والحذر منها، والاستغناء عن الناس، و استكمال] المسلمين منهم، وطلب المعونة من الله تعالى، والبراءة من الحول والقوة، والاعتراف بالعجز والقصور، ودوام الافتقار إلى الله تعالى، وهذه كانت أحوال أبي بكر الصديق - رضى الله عنه -.
روى الحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي في"الشعب"عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه: أنَّ أبا بكر الصديق استسقى، فأتي بإناء فيه عسل، فلما
وضع على يده بكى وردَّ الإناء]، وانتحب، فما زال يبكي حتَّى بكى من حوله، فسألوه: ما الذي هيجك على البكاء؟ فقال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجعل يدفع عنه شيئاً:"إِلَيْكِ عَنِّيْ، إِلَيْكِ عَنِّيْ"، ولم أرَ معه أحداً، فقلت: يا رسول الله! أراك تدفع شيئاً ولا أرى معك أحداً؟ فقال:"هَذهِ الدُّنْيَا مُثِّلَتْ لي بِمَا فِيْهَا، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَيْكِ عَنِّيْ، فتنَحَّتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاللهِ إِنْ أفلَتَّ مِنِّي فَلَنْ يَتَفَلَّتَ مِنِّي مَنْ بَعدَكَ"فَخَشِيْتُ أَنْ تَكُوْنَ لَحِقَتْنَا، فَذَاكَ أَبْكَانِيْ.
وروى الحاكم في"التاريخ"، والعسكري في"المواعظ"عن الأصمعي رحمه الله قال: كان أبو بكر - رضي الله عنه - إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم مني بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.