وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ ،} فَنَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْذَهَا مِنْ الْمُسْلِمِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، وَبَيْنَ مَا لَمْ يَجِبْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، فَوَجَبَ بِظَاهِرِ ذَلِكَ إسْقَاطُ الْجِزْيَةِ عَنْهُ بِالْإِسْلَامِ.
وَيَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهَا أَنَّ الْجِزْيَةَ ، وَالْجَزَاءَ وَاحِدٌ ، وَمَعْنَاهُ جَزَاءُ الْإِقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، فَمَتَى أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ بِالْإِسْلَامِ الْمُجَازَاةُ عَلَى الْكُفْرِ ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ عِقَابُ التَّائِبِ فِي حَالِ الْمُهْلَةِ ، وَبَقَاءِ التَّكْلِيفِ ؛ وَلِهَذَا
الِاعْتِبَارِ أَسْقَطَهَا أَصْحَابُنَا بِالْمَوْتِ لِفَوَاتِ أَخْذِهَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا يَكُونُ مَا يَأْخُذُهُ جِزْيَةٌ ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ ، وَمَوَاشِيهِ فَمَاتَ: إنَّهَا تَسْقُطُ وَلَا يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ أَخْذِهَا ، وَمَوْضُوعِهَا فِي الْأَصْلِ سَبِيلُ الْعِبَادَاتِ يُسْقِطُهَا الْمَوْتُ ، وَقَالُوا فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ بِفَرْضِ الْقَاضِي فَمَاتَ أَوْ مَاتَتْ إنَّهَا تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عِنْدَهُمْ مَوْضُوعُ الصِّلَةِ إذْ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ ، وَمَعْنَى الصِّلَةِ لَا يَتَأَتَّى بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَأَسْقَطُوهَا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ.