جاءَ لفظ"رِضْوانٌ"مُنْكَراً، وقرينة كونه من الله مع كونه أكبر من كلّ ما في جنّات عَدْنٍ مِنْ نعيم دليلٌ على أنّ المراد: ورضوانُ قليلٌ من اللهِ يُفْرِغُهُ على أهل جناتِ عَدْنٍ هو أكبر عندهم وأعظم من كلِّ ما فيها من نعيم.
وقد تنبّه علماء البلاغة إلى أنه لم يرد في القرآن سلامٌ من جهة اللَّهِ إلاَّ مُنكّراً، لأنَّ سلاماً قليلاً من جهته عزَّ وجلَّ كافٍ لتحقيق كُلّ ما يطلُبُهُ العبادُ مِنْ أمن أو تحيَّة، مثل: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ - سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ - سَلاَمٌ على نُوحٍ - سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ - سَلاَمٌ على موسى وَهَارُونَ - وَسَلاَمٌ على المرسلين - فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين} .
قالوا: وأمّا عيسى عليه السلام: {والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [الآية: 33] كما جاء في سورة مريم فقد جاء مُعَرَّفاً لأنَّه ورد على لسان عيسَى الطفل في دعائه لنفسه، بخلاف الذي ورد بشأن يحيى عليه السلام في السورة نفسها بياناً صادراً عن الله عزَّ وجلَّ، إذْ جاء فيه قوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} [الآية: 15] .
* قول المتنبّي يمدح سيف الدولة:
فَيَوْماً بِخَيْلٍ تَطْرُدُ الرُّومَ عَنْهُمُ ... وَيَوْماً بِجُودٍ يَطْرُدُ الْفَقْرَ والْجَدْبَا
نكّر لفظ"خيل"ونكّر لفظ"جود"وهو يريد: بعدد قليل من الخيل، وبمقدارٍ قليل من الجود، وقد دلّ التنكير فيهما على التقليل ما في السّباق والسّياق من المدح والإِطراء البالِغَيْنِ من المتنبيّ لسيف الدولة، وهذا يقتضي أن يطرد الروم بقليل من خيله، وأن يطردَ جودٌ قليلٌ منه الفقر والجدْبا.
{... وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ... (74) }
(تَأْكيد الْفِكْرة بما يُشْبِهُ تقرير ضدّها)
وهي المُسَمّاة: تأكيد المدح بما يشبه الذّم وعكسه والعنوان الذي وضعته أولى تأكيد الفكرة بما يشبه تقرير ضدّها: هي أن يأتي المتكلّم بكلام يتضمَّنُ مَدْحاً، أو ذمّاً، إو إثباتَ صفةٍ أو حَدَثٍ، أو نَفْيَ صِفَةٍ، أو حدث، ويُتْبعَهُ بكلاَمٍ يَبْدَؤُه بما يُشْعِرُ باستثناءٍ أو استدراكٍ على كلامه السابق فإذا به يأتي بما يتضَمَّنُ تأكيد كلامه السابق.