أقول: تأنيب خفي لكنه موجع يستنكر مبدأ التخلف عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لمن يدعي صُحبته من الصفوة المختارة. فلا يحق لهم أن يُؤثروا أنفسهم عما يتحمله رسول اللَّه. ولا عذرَ لهم في أن يُشفقوا على أنفسهم عن مثل ما
تعرضت له نفس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في سبيل دعوته في الحر والبرد في الشدة
والعسْر يواجه أعباء الدعوة ولأواءها. إنه النذير، وإنه النكير على مَن تخلف من أهل طيبة الطيبة ومَن حولها.
السياق إذاً سياق استنكار على أهالي المدينة المنورة أن يؤثروا أنفسهم على رسول الله، وهم أصحاب هذه الدعوة وهم قاعدتها الصُلبة. أيشفقون على أنفسهم ورسول اللَّه يواجه تكاليف دعوة ربه؟! فالرغبة عن نفس نبيهم تضمنت الضنانة بأنفسهم عنه، ولذلك جاء التأنيب (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي لا يليق بهم أن يتخلفوا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا يبخلوا بأنفسهم عنه. وهكذا يصير التضمين وسيلة كشفٍ عن خبايا النفوس، ليتفتح اللفظ عن رصيده حين يقع في السياق الذي يستدعيه فلا أزعج من أن يقال عن المتخلف: إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذي تفتديه الأنفس. وهو يزعم أنه جندي من جنود الدعوة، وأنه يتأسى بقائده الحكيم.
ويزعم أنه من جند ... طه ويرغب عن مرافقة الحبيب!!
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (125)
ذكر الزمخشري: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) كفرا مضموما إلى كفرهم. وتبعه الجمل فقال: ضمن الزيادة معنى الضم فلذلك عدي بـ (إلى) ، وقيل: إلى بمعنى مع. ومثله قال الآلوسي: فزادتهم نفاقا مضموما إلى نفاقهم فالزيادة متضمنة معنى الضم ولذا عُديت بـ (إلى) ، وقيل: إلى بمعنى مع ولا حاجة إليه. ونحوه قال البيضاوي: فزادتهم كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها. وزاد البروسوي: فزادتهم رجسا أي كفرا بها مضموما إلى الكفر وعقائد باطلة، وأخلاقا ذميمة، والفرق بين الرجس والكفر أن الأول يُستقذر طبعا والثاني يُستقذر عقلا.