قال أبو السعود: ليس عليهم إثم ولا إلى معاتبتهم سبيل، وإنما السبيل في اللائمة والعقوبة على الذين ... ونقله الجمل. وقال أبو حيان: يستأذنونك في التخلف عن الجهاد وهم قادرون عليه لغناهم وكان خبر السبيل هو (على الذين) .
أقول: ترك ربنا (السبيل) مفتوحا ليعدد شعابه، ويطلق مناحي القول فيه، فقد يكون سبيل المعاتبة أو المؤاخذة أو المضايقة أو الحرج أو الجُناح
أو الإثم ... فـ (على) أفادت استعلاء العقوبة بكل صنوفها على المتخلفين عن الغزو. فتضمين (السبيل) معنى (المأخذ) .
والمؤاخذة تعدت بـ (على) لتسلطها على الذنب واستعلائها على أصحابه (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) والمثوبة تعدت بـ (إلى) لتيسر أسبابها ووصول المتقين إليها. ثم المؤاخذة (مفاعلة) مشتقة تتعلق بها الصلة (على الذين) والمعنى: إنما مأخذ الإثم ومَخزاته وسوأتُهُ على الأغنياء الذين يجدون ما ينفقون في تجهيز أنفسهم للقتال، ثم يستأذنونك معتذرين عن الخروج معك، مبخَلة منهم ومَجبَنة. أفرأيت إلى الحرف كيف غير المعنى؟! فـ (على) دخلت على (السبيل) فأعطتها معنى الأذاة والإزْراء والشَيْن.
و (إلى) دخلت على (السبيل) فاعطتها معنى النجاة والإطراء والزَيْن. فإن مررت بهذه الحروف فتشرف إليها مستشفاً لها، وارفق بها لتُوليك جانبها، وتُمطيك غاربها، ثم لا تقطع فيها برأي ليقوم لك العذر فيها، فيعلوَ فيه قولك ويعنو لصحته خصمُك.
إنه التضمين ... يمنح اللفظ روحا ترفرف في جناحيه.
الحسن في كل جنح ... من عارضيْه مُورَّد
لا ينفد الحسن منه ... والقول فيه سينفد
(مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ...(120)
قال الزمخشري: ما صح لرجل ولا امرأة من المؤمنين أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا.
وذكر الجمل: وما كان أي ما صح وما استقام، وقيل: ما ينبغي لمؤمن .... ومثله الآلوسي
وقَال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) .
قال الزمخشري: وهذا نهي بليغ مع تقبيح لأمرهم وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية.