وتساءل الزمخشري قائلا: فإن قلت هلا قيل: تحمى؟ قلت: إن النار يحمى عليها. أي يوقد، ذات حمى وحر شديد، ولو قيل: يوم تحمى لم يعط هذا المعنى. فإن قلت: فإذا كان الإحماء للنار لم ذكر الفعل؟ قلت: لأنه مسند إلى الجار والمجرور أصله يوم تحمى النار عليها فلما حذفت النار قيل: يحمى عليها لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير. فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر بالتاء (تحمى) اهـ.
وجعل الآلوسي: الإحماء للنار مبالغة لأن النار في نفسها ذات حمى، فإذا وصفت بأنها تحمى دل على شدة توقدها ثم حذفت النار، وحول الإسناد إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه.
وذهب الراغب: إلى أن الحمى: الحرارة المتولدة من الجواهر المحمية كالنار والشمس في نار حامية أي حارة. لم خص الذهب والفضة بالذكر؟
أقول: لا قيمة اليوم للأوراق النقدية في العملة المحلية لأي بلد إن لم يكن لها رصيد ذهبي فلا أقول أحميت على الفضة وإنما أقول أحميت الفضة فما اللطيفة فيها؟ أقول: المقصود أن يحمى على النار هذا الرصيد وأن يوقد على الأموال - من ذهب وفضة - نار ذات حمى وحر شديد لماذا؟ لتكوى بها جباههم ثم ماذا؟ ثم جنوبهم وأخيرا ظهورهم لأنهم بخلوا عن تجهيز الجند، وتلك اللطائف ذات الشفافية من المعاني الروحانية في هذه اللغة. هذا رجل من أهل الصفة من الصحابة حين مات وجدوا في ثيابه دينارا فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: هذه كية من النار، كما وجدوا في إزار آخر دينارين فقال صلوات اللَّه عليه: هاتان كيتان.
ها هي عملية إحماء الذهب والفضة قد تمت بعد أن أوقد عليها، ليبدأ بعدها العذاب الأليم للذين يكنزونها، ولا يُؤدُّون زكاتها.
فلذة الكنز تنتهي إلى (فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) . وتبدأ بعدها عملية التذوق: بكي الجباه ... ثم كي الجُنوب ... وأخيرا كي الظهور، فإذا انتهى عذاب الجسد جاء بعده الترذيل والتأنيب.
وصورة لمصائر مَنْ تَهيَّب من لقاء الروم في الحر الشديد، ومن بخِلَ في النفقة لتجهيز جيش العسرة.