الحق أن وصف سورة براءة بأنها غيرت مجرى الحرب فِي الإسلام جهل كبير. فقد كنا وما زلنا وسوف نبقى نسالم من سالمنا ونحارب من حاربنا ، نعتمد فِي دعوتنا على الشرح الوافى والبلاغ المبين ، مع رفض للدنية وأنفة من الذل والهوان عوملت الوثنية العربية خلال ثنتين وعشرين سنة - قبل نزول براءة - بأحكم وأرحم ما يعامل به نظام خرافى يريد فرض سيطرته للأبد! فِي مكة كان الإسلام دينا خارجا على القانون لا اعتراف به. وبعد الهجرة إلى المدينة خاض المسلمون مع أعدائهم نحو ثلاثين معركة وسرية. ترى كم بلغت خسائر الوثنية العربية فِي هذه الحروب؟ لقد ذكرت فِي بحث سابق أن قتلى الكفار حوالى مائتين فِي هذه الوقعات كلها...!!! أي عشر معشار مذبحة"سان بارثلميو"فِي باريس التي وقفت تقدم البروتستانت فِي فرنسا الكاثوليكية!! كان المسلمون فِي أثناء ثنتين وعشرين سنة يناشدون الكفار أن يعقلوا ، أو أن يعدلوا إذا لم يعقلوا ! واستمع إلى نغمة الإخلاص والحب فِي قوله تعالى"فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير". ولكن هذه المناشدات لم تجد فتيلا ، وبدا أن مبدأ"لكم دينكم ولي دين". مرفوض ، وأننا نريد حياتهم ويريدون قتلنا!! وكان العلاج الإسلامي لهذا الموقف النابى - بعد أن استمكن المسلمون من السلطة - أن قالوا لأعدائهم: دعوا هذه الأرض لنا ، وسيحوا فِي أرض الله الواسعة!! إنكم تضيقون برؤية الإسلام فِي بلد ، وتكيدون لأهله ما استطعتم ، وتتربصون به الدوائر ، ولا ترضون أن تقبعوا بكفركم فِي دوركم. إننا لن نقتلكم ولكننا نتحصن من فتنتكم فاذهبوا حيث شئتم ودعونا وشأننا! وانضم إلى هذه الأمر شيء آخر هو: لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان. وهو أمر مفهوم لقد حطمت جميع الأصنام التي كان يعبدها المشركون حول الكعبة