وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أَيْ وَمَا ظَلَمُونَا بِكُفْرِهِمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ ، وَلَكِنْ كَانَ دَأْبُهُمْ ظُلْمَ أَنْفُسِهِمْ دُونَ رَبِّهِمُ الَّذِي لَا يَنَالُهُ تَأْثِيرُ أَحَدٍ بِظُلْمٍ وَلَا غَيْرِهِ ، فَكَانُوا يَجْنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِكُفْرِ النِّعَمِ وَالْجُحُودِ وَغَيْرِهِمَا آنًا بَعْدَ آنٍ وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْقُرْآنِ بِالْإِجْمَالِ ، وَفِي التَّوْرَاةِ بِالتَّفْصِيلِ . فَتَقْدِيمُ أَنْفُسِهِمْ عَلَى يَظْلِمُونَ الْمُفِيدُ لِقَصْرِ ظُلْمِهِمْ عَلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ أَنْ كُفْرَهُمْ بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى يَضُرُّهُمْ وَلَا يَضُرُّهُ تَعَالَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَّالَمُوا". (وَمِنْهُ) "يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي ، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي"وَلَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْقَصْرِ أَنَّهُمْ لَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنَ التِّيهِ فَيَنْفِي عَنْهُمْ ظُلْمَهُ ، وَلَمَّا اتَّصَلُوا بِالنَّاسِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ كَانَ مِنْهُمُ الْعَادِلُونَ وَمِنْهُمُ الظَّالِمُونَ ، وَمِنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ أَظْلَمَ . وَإِنْ كَانَ ظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ مِمَّا يَجْهَلُ أَنَّهُ ظُلْمٌ لَهَا ; لِأَنَّهُ يَتَجَلَّى لَهُ فِي صُورَةِ الْمَنْفَعَةِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عَاقِبَتُهُ الْمَضَرَّةَ ، وَهَكَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الظَّالِمِينَ وَالْمُجْرِمِينَ . يَنْوُونَ بِظُلْمِهِمْ وَإِجْرَامِهِمْ