وتاسعها: قال هناك: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [البقرة: 58] .
وقال ههنا"يَظْلِمُونَ".
وهذه ألفاظٌ لا مناقاةَ بينها ألبتة ، ويمكن ذكر فوائِدهَا.
أما قوله ههنا: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} إعلاماً للسَّامع بان هذا القائل هو ذاك ، وأمَّا قوله هنا"ادْخُلُوا"، وههنا"اسْكُنُوا"فالفرقُ أنَّهُ لا بدَّ من دخول القريَةِ أوَّلاً ، ثم سكونها ثانياً.
وأمَّا قوله هنا"فَكُلُوا"بالفاءِ وههنا بالواوِ ، فالفرق أنَّ الدُّخُولَ حالة مخصوصة ، كما يوجد بعضها ينعدم ، فإنَّهُ إنَّما يكون داخلاً في أوَّل دخوله.
وأمَّا بعد ذلك ، فيكون سكنى لا دخولاً ، وإذا كان كذلك فالدَّخُولُ حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار ، فحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال {ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ} [البقرة: 58] وأمَّا السُّكْنَى فحالة مستمرة باقية فيكون الأكل حاصلاً معها لا عقيبها فحل الفرق.
وأمَّا قوله هناك"رغَداً"ولم يذكره هنا ؛ لأنَّ الأكْلَ عقيب دخول القرية يكون ألذ ؛ لأنَّهُ وقت الحاجةِ الشديدةِ ، فلذلك ذكر رَغَداً وأما الأكر حالة السُّكنى ، فالظَّاهِرُ أنَّ الحاجة لا تكونُ شديدة.
وأمَّا قوله هناك: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} وههنا على العكس ، فالمرادُ التَّنبيهُ على أنَّهُ يحسن تقديم كل واحد منهما على الآخر ، لأنَّ المقصُودَ منهما تعظيم اللَّهِ تعالى وإظهار الخُضُوعِ ، وهذا لا يتفاوتُ الحال فيه بحسب التَّقديم والتَّأخير.
قال الزمخشريُّ: التَّقديمُ والتأخيرُ في وقُولُوا وادخُلُوا سواء قدَّمُوا"الحِطَّة"على دخول الباب ، أو أخَّرُوَاها فهم جامعون في الإيجاد بينهما.
قال أبُو حيَّان: وقوله: سواءٌ قدَّمُوا أو أخَّرُوها تركيب غير عربي ، وإصلاحه سواء أقدَّمُوا أمْ أخَّرُوا ، كما قال تعالى: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21] .