أي جعلنا كل سبط أمة بخصوصها . والواقع الكوني أثبت أنهم كذلك ؛ لأنك لا تجد لهم - فيما مضى - تجمعاً قوميًّا وهو ما يسمونه"الوطن القومي لليهود"برغم أن الدول الظالمة القوية أعانوهم وأقاموا لهم وطنًّا على أرض فلسطين ، ومع ذلك نجد في كل بلد طائفة منهم تعيش معزولة عن الشعوب التي تحيا في رحابها ، وكأنهم لا يريدون أن يذوبوا في الشعوب ، ففي باريس - مثلاً - تجد"حي اليهود"، وفي لندن المسألة نفسها ، وفي كل مدينة كبيرة تتكرر هذه الحكاية ، فهم يعيشون فيها بطقوسهم وبشكلهم وبأكلهم ، وبعاداتهم معزولين عن الشعوب ، وكأنهم ينفذون قدر الله فيهم: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} .
وقطعهم ربنا في الأرض أي أنه نشرهم في البلاد ، ولم يجعل لهم وطناً مستقلاً ، ولذلك ستقرأ في سورة الإِسراء إن شاء الله: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض ...} .
أي أنه سبحانه قال لهم بعد سيدنا موسى: اسكنوا الأرض وحين تقول لنا يا رب:"اسكن"فأنت تحدد مكاناً من الأرض . كأن يسكن الإِنسان في الإِسكندرية أو القاهرة أو الأردن أو سوريا ، لكن أن يصدر الحكم بأن {اسكنوا الأرض} فهذا يعني أن انساحوا فيها فلا تجمع لكم .
ويقول الحق: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} .
أي أنه حين يجيء وعد الآخرة تكون ضربة قاضية عليكم - أيها اليهود - لأن عدوكم لن يتتبعكم في كل أمة من الأمم ، ويبعث جيشاً يحاربكم في كل مكان تعيش فيه طائفة منكم ، لكن إذا جاء وعد الآخرة يأتي بهم الحق لفيفاً ويتجمعون . في هذا الوطن القومي الذين يفرحون به ، ونقول لهم: لا تفرحوا فهذا هو التجمع الذي قال الله عنه: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} لتكون الضربة موجهة لكم في مكان واحد تستأصلكم وتقضي عليكم .