قال ابن عرفة: والنظر عين الرؤية فالنظر تحديق الحدقة ونحو المنظور ...] لا تقول: نظرت فلم أره، والرؤية إنما تصدق عند المشاهدة، فالمعنى مكني عن الرؤية لا نظر قارئ، والمعتزلة ينكرونه في الدنيا عقلا ونحن نجيزها في الدارين لكن نقول: لا تقع إلا في الآخرة، ووجه الجواز عند المتقدمين كإمام الحرمين أن كل موجود فرؤيته ممكنة لذاته، ولا يستلزم عليه ما قال المعتزلة من أن الرؤية تقتضي كون المرئي في مكان والله تعالى يستحيل عليه المكان؛ فإِن ذلك من لوازم المرئي لَا من لوازم الرؤية وهذا أن المرئي لَا يكون إلا في مكان؛ لأن المكان من ضرورياته لَا في زمن الرؤية، ولا في غيره؛ فلهذا كان المرئي لَا يرى إلا في مكان فالله تعالى يستحيل عليه
المكان؛ فالرؤية جائزة في حقه، ووجهه عند المتأخرين أن الشرع أخبر بأنه لَا يرى في الدنيا، ويرى في الآخرة.
وقوله تعالى: (لَنْ تَرَانِي) .
استدل به الزمخشري مطلقا؛ لأن (لن) عنده للنفي الدائم، ونحن نقول: لنفي غير دائم.
قوله تعالى: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ) .
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي
دليلِ على الرؤية ممكنة؛ لأن استقرار الجبل في مكان ممكن عقلا، وقد علق عليه (فَسَوْفَ تَرَانِي) فدل على مكان الرؤية إذ لَا يصح تعلق المستحيل على الممكن، فلا تقول: إن جئتني فأنا أجمع بين النقيضين.
قوله تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) .
ابن عرفة: المعتزلة ينفون الرؤية ويشترطون البينة وهي البلة والرطوبة المزاجية وكان الجهلة تظن أن البينة هي الشكل الخاص؛ فإِما أن يكون خلق في الجبل حياة وإدراكا؛ فلما ناله التجلي صار دكا أو صيره الله تعالى حينئذ دكا.
قوله تعالى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ... (144) }
المراد ناس زمانه، واصطفاه عليهم بالمجموع، وإلا فقد أرسل إليهم أنبياء كثيرين.
وكان بعضهم يقول: يؤخذ من الآية أن الكلام يتعلق بنفسه؛ لأن جملة الكلام الذي اصطفاه ربه.
قوله تعالى: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ) .