الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا إلى ما يحمله على التسلية وشرح الصدور بما حوى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونورا فقال"فلا يكن في صدرك حرج منه"أي أنه قد تضمن مما احلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك بسنتهم وليتذكر المؤمنون.
ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال:"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم"
فإن هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع
والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع تعالى ذلك بقصة
آدم عليه السلام ليتبين لعباده ما جرت به سنته فيهم من تسلط الشيطان
وكيده وأنه عدو لهم (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ)
ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل
هناك، كتصريح اللعين بالحسد، وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبه
الإنظار والتسلط على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه، ثم أخذه في الوسوسة إلى آدم عليه السلام، وحلفه له (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ(21)
وكل هذا مما أجمل في صورة البقرة، ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها
أعنى أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولا، ثم انجرت الآي إلى
ابتداء قصة (نوح عليه السلام) واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل،
فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة
إبليس، وفصل هنا الكثير، وذكر ما لم يذكر في سورة البقرة حتى لم يتكرر
بالحقيقة ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط.
ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلا القصتين مستقل
شاف وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله، ووضح كماله، فتبارك مَن هذا كلامه، ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة.