فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 162750 من 466147

أقول: هو كنايَةٌ عن نَدَمِهم وشدّة خوفهم، وأصْلُ هذه الكناية أنّ الْمُجْرِمَ إذا أدْرَكَهُ الجنود أسرعوا فأسقطوا بعُنْفٍ في يَدَيْهِ الْقَيْدَ الحديدّي حتَّى لاَ يَفِرَّ، فإذا فعلُوا به ذلك ارتخت أعصابه، ووهَنَتْ عزائمه، وأيْقَنَ أنّه مَسُوق للعقاب.

وهؤلاء الذين اتخّذوا العجل الذهبيّ الذي عبدوه أحْسُّوا بمثل هذا لمَّا رَأَوْا من بعيدٍ موسَى عليه السلام راجعاً إليهم ومعه الأَلواح، كأنّه قد حَصَل سُقوطُ قيدٍ حَدِيديٍّ في أيديهم، وسيلاقون عقابهم.

هذه الكناية أُرِيدَ منها لاَزِمُها وهو الشعور بالندم والخوف من العقاب مع العجز عن الفرار، وهي كناية ذاتُ إبداعٍ فنّي رائع، وهي من الكنايات الخفيّة مع عدم وجود وسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه.

{قَالَ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعدآء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين (150) }

ونُلاَحِظُ أنَّ هارُونَ عليه السلام كانَ لَهُ مَوْقِفَانِ مَعَ أخِيهِ موسَى عليه السلام، تُجَاهَ مَا كَانَ مِنْ مُوسَى إذْ أَخَذَ برأسِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ:

أمَّا في المرّةِ الأَولَى فَحَذَفَ مِنْ عبارَتِهِ أَداةَ النداء لإِشعارِه بأنَّه أكْثَرُ مِنْ قَريبٍ بالنسبة إليه، دلَّ عَلى هذه المرّة ما جاء في سُورَةِ (الأَعراف {قَالَ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعدآء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين} .

فحذفَ أداة النداء مُسْتَعطِفاً، لأنّه كان قريباً منه جَسَدِيّاً، وأشْعَرَهُ بزيادة القرب منه نفسيّاً، إذْ هو أبْنُ أُمِّهِ.

وأمَّا في المرّة الأُخْرَى حِينَ أَخَذَ مُوسَى عليه السلام برأسِ هارون ولحيته محاسباً، فقد ناداه بحرف النداء"يا"قائلاً لَهُ كما جاء في سورة طَه: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [الآية: 94] .

أي: ولم تَرْقُبْ قَوْلي السّابقَ لَكَ: إنَّ الْقَومَ اسْتَضعَفُوني وكادُوا يَقْتُلُونَنِي"هذا فيما أرى والله أعلم".

فأنزل هارون أخاه موسى في هذا النداء الثاني منزلة البعيد، لأنّه لم يَرْقُبْ قولَهُ السّابِق لَهُ، أي: لم يضعه موضع المراقبة ليعمل بمقتضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت