{وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ... (142) }
جُمَلٌ ثَلاَثٌ قالها موسى لأخيه هارون تتضَمَّن مَرْسوم تعيين من ثلاث موادّ متلاحمة متفاصلة:
المادة الأُولى: اخْلُفْنِي في قَوْمي.
المادة الثانية: (وأصْلِحْ) أي: في إدارتك وخلافَتِكَ لي.
المادة الثالثة: (وَلاَ تَتبعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين) أي: مَهْما كانت كثرتهم، فاحْزِمْ أمْرَك ولا تتَّبِعْهُمْ مدارياً لهم.
أقول:
ويمكن أن نُدْخِلَ تحت عنوان"حُسْنِ النَّسَق"ما يتضمّن مراعاة حالة أنفس المتلَقِّين، لدى ملاحظة المشهد الذي يعرضه المتكلّم في الصورة الكلاميّة.
فمن حسن النَّسَق أنْ تكون الصورة الكلاميّة مطابقة لواقع حال المتلَقِّي لدى إدراكه المشهد في الواقع.
(فائدة)
جاءت في هذه الآية عبارة:"فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً"إجمالاً بعد تفصيلٍ لرفع توهُّم أن عبارة:"وأتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ"تَعْنِي كَوْنَ"ثَلاَثِينَ لَيْلَةً"كانَتْ عشرين أُتِمَّتْ بعشرٍ فصارت ثلاثين، فدُفعَ هَذا التوهُّمِ بالإِجمال اللاّحق.
{وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين (149) }
من الكنايات الشائعة الواضحة ما جاء في سورة الأعراف بشأن بني إسرائيل الذين اتّخذوا العجل الذهبيّ يعبدونه من دون الله، حينما ذهب موسى عليه السلام لمناجاة ربّه، لأنّهم استبطئوا عودته إذْ زاد الله له الميعاد من ثلاثين ليلة إلى أربعين ليلة، ثمّ لمّا رأوه من بعيد راجعاً إليهم وبيده الألواح ندموا على ما فعلوا ندماً شديداً ورأوا أَنَّهم قد ضَلُّوا، قال الله عزَّ وجلَّ فيها: {وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} [الآية: 149] .
جاء في هذه الآية الكناية عن نَدَمِهم وخوفهم من سطوة موسى عليه السلام وعقابه، إذ خالفوا موعدهم الذي واعدوه إيّاه أنْ لا يُغَيّروا ولا يبدّلُوا في الدين شيئاً بعبارة: {سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ} .
قال أهل التفسير: أي: نَدِمُوا وتَحيَّرُوا.
قال الزّجاج: هُوَ نظمٌ لم يُسْمَع قبل القرآن ولم تَعْرِفه العرب.