وعلى ذلك فالنجوم ليست فقط للاهتداء في ظلمات البر والبحر ؛ لأنه لو كان القصد منها أن نهتدي بها في ظلمات البر والبحر ، لكانت كلها متساوية في الأحجام ، لكنا نرى نجماً كبيراً ، وآخر صغيراً ، وقد يكون النجم الصغير أكبر في الواقع من النجم الكبير لكنه يبعد عنا بمسافة أكبر ، وعلى ذلك لا تقتصر الحكمة من النجوم على الهداية بها في حركة الإنسان براً وبحراً ، فليست هذه هي كل الحكمة ، هذه هي الحكمة التي يدركها العقل الفطري أولا ؛ لذلك يأتي الحق في أمر النجوم بقول كريم آخر ليوضح لنا ألا تحصر الحكمة في الهداية بها ليلاً براً وبحراً فيقول: {وَعَلامَاتٍ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ} فلم يقل - سبحانه - يهتدون في ظلمات البر والبحر . إذن - النجوم - لها مهمة أخرى ، إنه جلت قدرته يقول: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75 - 76] .
وكل يوم يتقدم العلم يبين لنا الحق أشياء كثيرة ، فها هو ذا المذنب الذي يقولون عنه الكثير ، وها هي ذي نجوم جديدة تكتشف تأكيداً لقول الحق: {والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] .
أي أنه سبحانه قد خلق عالماً كبيراً . وأنت أيها الإنسان قد أخذت منه على قدر إدراكاتك وامتداداتك في النظر الطبيعي الذي لا تستخدم فيه آلة إبصار ، وأخذت منه بالنظر المعان الذي تستخدم فيه التليسكوب والميكروسكوب ، وغير ذلك من اقمار صناعية ولذلك يقول الحق سبحانه: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} وبعض العلماء يقول: إن كل إنسان يوجد في الوجود له نجم ، وترتبط حياته بهذا النجم ، وحين يأفل النجم يأفل قرينه على الأرض ، وهناك نجوم لامعة ندرك خفقانها ، ونجوم أخرى غير لامعة وبعيدة عنا ، ويقال إنها تخص أناساً لا يدري بهم أحد لقلة تأثيرهم بأعمالهم في الحياة .