من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى وهو التوراة التي قد علمتم - وكل أحد - أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورا وهدى للناس؛ ليستضاء بها في كشف المشكلات؛ ويهتدى بها من ظلم الشبهات. هذه التوراة التي تظهرون منها ما تظهرون، وتحرّفون منها ما تحرّفون، وتبدّلون وتتأولون منها ما تتأولون، وتكتمون منها ما تكتمون. ومن أنزل هذا القرآن الذي علّم الله فيه الخلق من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي مما لا يحيط به أحد. من أنزل هذا كله إلا الله؟ ثم أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يقول جوابا على هذا السؤال غير منتظر جوابهم: الله، وأن يدعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من الله اليقين؛ فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين.
نفهم من هذا كله أن الإيمان بالله، والمعرفة له، يقتضيان إيمانا بأن الله يهدي عباده، وينزل عليهم وحيا وكتبا، فمن زعم أن الله لا يتدخل في هداية عباده، أو لا يرسل رسلا، أو لا يوحي وحيا، فإنه ما عرف الله ولم يهتد بهداه، ولم يعظّمه التعظيم اللائق به. وإذ يستقر هذا المعنى يقرّر الله أنّه هو الذي أنزل هذا القرآن، وجعله مباركا، وجعله يصدّق الكتب السابقة عليه، وأنّه أنزله من أجل أن ينذر به الخلق جميعا، مبتدئا
بمكة العظيمة أمّ الدنيا جميعها. ثمّ بيّن أنّ من آمن بالله وباليوم الآخر فإنّه يؤمن بهذا القرآن ويقيم الصلاة ويحافظ عليها، ومن ثمّ نعلم أنّه ما من إنسان لا يؤمن بهذا القرآن إلا وهو كافر باليوم الآخر، أو أن إيمانه باليوم الآخر غير صحيح. وإذ تقرّر أنّ من أصل الإيمان بالله ومن أصل معرفته وتعظيمه: الإيمان بما أنزل؛ فإن الله يقرّر بعد ذلك أنّه لا أحد أظلم ممّن كذب على الله فجعل له شركاء أو ولدا، أو ادّعى أنّ الله أرسله إلى النّاس ولم يرسله، وكذلك من ادّعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي بما يفتريه من القول، ثمّ بيّن حال هؤلاء الظالمين إذ هم في سكرات الموت وغمراته وكرباته، والملائكة تضربهم وتعذبهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، قائلين لهم: