سُورَةِ الْحِجْرِ: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) (15: 8) أَيْ مَا كَانَ شَأْنُنَا الَّذِي مَضَتْ بِهِ سُنَّتُنَا أَنْ نُنَزِّلَ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْأَمْرِ الْحَقِّ ، وَهُوَ الرِّسَالَةُ لِلرُّسُلِ أَوِ الْعَذَابِ لِلْأُمَمِ الَّذِينَ يُعَانِدُونَ الرُّسُلَ فَيَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ الْمَخْصُوصَةِ وَيُعَلِّقُونَ إِيمَانَهُمْ عَلَيْهَا ، ثُمَّ يُصِرُّونَ عَلَى جُحُودِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ يُعْطَوْهَا ، فَلَوْ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا إِذْ تَنْزِلُ إِلَّا هَالِكِينَ لَا يُنْظَرُونَ ، أَيْ لَا يُمْهَلُونَ لِأَجَلِ أَنْ يُؤْمِنُوا . وَمَا كَانَ اللهُ لِيُهْلِكَ هَذِهِ الْأُمَّةَ ، وَلَا مَنْ أَعْهَدُهُمْ لِلْهِدَايَةِ مِنْ قَوْمِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ، بِإِجَابَةِ اقْتِرَاحَاتِ أُولَئِكَ الْمُسْتَكْبِرِينَ الْمُعَانِدِينَ مِنْهُمْ ، وَهُمْ إِنَّمَا يَقْتَرِحُونَ الْآيَاتِ لِأَجْلِ التَّعْجِيزِ دُونَ اسْتِبَانَةِ الْإِعْجَازِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ إِنْ أُعْطَوْهَا مَا كَانُوا بِهَا مُؤْمِنِينَ ، وَبِذَلِكَ مَضَتِ السُّنَّةُ فِي أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْغَابِرِينَ .
وَمِنْ نُكَتِ الْبَلَاغَةِ مَا بَيَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ حِكْمَةِ الْعَطْفِ بِ (ثُمَّ) وَهِيَ إِفَادَةُ مَا بَيْنَ قَضَاءِ الْأَمْرِ وَعَدَمِ الْإِنْظَارِ مِنَ الْبُعْدِ: جَعْلُ عَدَمِ الْإِنْظَارِ أَشَدَّ مِنْ قَضَاءِ الْأَمْرِ; لِأَنَّ مُفَاجَأَةَ الشِّدَّةِ أَشَدُّ مِنْ نَفْسِ الشِّدَّةِ .