والضمير إمّا أن يعود إلى الجنّ فيكون المعنى والله خلق الجنّ فكيف يكون شريك الله عز وجلّ محدثاً مخلوقاً، وإمّا أن يعود إلى الجاعلين لله شركاء فيكون المعنى وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئاً، وهذا كالدليل القاطع بأنَّ المخلوق لا يكون شريكاً لله وكل ما في الكون محدث مخلوق والله تعالى خالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ملكه.
{قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا في آية أخرى وهي قولهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (الأنعام: 23) ؟
أجيب: بتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول فيقرون في بعضها ويجحدون في بعض آخر.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم كرّر شهادتهم على أنفسهم؟
أجيب: بأن الأولى حكاية لقولهم: كيف يقولون وكيف يعترفون؟
والثانية ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة إمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيراً للسامعين عن مثل حالهم.
{قل تَعَالَوْاْ أتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}
وذلك أنهم سألوا وقالوا: أي الذي حرم الله؟
فأمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم ذلك.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما معنى قوله تعالى: {حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ} والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟
أجيب: بأنَّ موضع أن رفع أي: هو أن لا تشركوا.
وقيل: نصب واختلفوا في وجهه فقيل: معناه حرّم عليكم أن تشركوا و (لا) صلة كقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} (الأعراف: 12)
أي: ما منعك أن تسجد.