ورُدَّ الأول -على تقدير تسليمه- بأنَّ النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به، فلا فرق. على أن اليقين غير شرط، بل الظن كاف.
ورُدّ الثاني بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به، والصواب جواز الاحتجاج بالحديث للنحْويّ في ضبط ألفاظه. ويلحق به ما روي عن الصحابة رضوان اللَّه عليهم.
ثانيًا: الشبهات والرد عليها.
1 -شبهة: رفع المعطوف على المنصوب.
نص الشبهة:
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) } (المائدة: 69) .
فهذه الآية بها خطأ نحْوي؛ إذ (الصابئون) معطوفة على منصوب (الذين آمنوا) ، فكان حقها أن تنصب؛ فيقال: (والصابئين) ولكنها جاءت مرفوعة.
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: ما جاء عن النحاة والمفسرين في توجيه رفع (الصابئون) .
للنحاة في هذه الآية تسعة أقوال نذكر منها الآتي:
الأول: قول الخليل وسيبويه وأتباعهما من البصريين، أن (الصابئون) مرفوع على أنه مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه خبر ما بعده: (والنصارى من آمن منهم باللَّه) -أي: أن الواو للاستئناف- قالوا: والنية فيه التأخير، أي: تأخير (والصابئون) إلى ما بعد (والنصارى) ، وتقدير النظم والمعنى عندهم: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم باللَّه واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك) .
ومن شواهد هذا الحذف عند العرب قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف (2)
فقد حذف الخبر من المبتدأ الأول، وتقديره: راضون لدلالة الثاني عليه: راضٍ، والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، فحذف خبر الأول اكتفاءً بالثاني.
وقول الآخر:
فمن يكُ أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيَّارًا بها لغريب
والتقدير: فإني لغريب وقيارٌ كذلك.