وهكذا ورد في الاستعمال اللغوي عند العرب؛ أن الجملة الاسمية المؤكدة بـ (إنَّ) يجوز أن يذكر فيها مبتدأ آخر غير اسم (إنَّ) وأن يذكر خبر واحد يكون لاسم (إنَّ) ، ويحذف خبر المبتدأ الثاني لدلالة خبر اسم (إنَّ) عليه، أو يحذف خبر اسم (إنَّ) ، ويكون الخبر المذكور للمبتدأ الثاني دليلًا على خبر اسم (إنَّ) المحذوف.
وعلى هذا تُخَرَّجُ كَلِمَةُ"الصابئون"في الآية الكريمة.
واختار الزمخشري من المفسرين النحاة هذا المذهب فقال: (والصابئون) رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز (إنَّ) من اسمها وخبرها؛ كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك.
وقد تفيد الواو العطف على محل اسم (إنَّ) الذي حقه الرفع كمبتدأ قبل تمام الخبر.
قال الفراء: فإن رفع (الصابِئين) على أنه عطف على (الذين) ، و (الذين) حرف على جهة واحدة في رفعه ونصبه وخفضه، فلمَّا كان إعرابه واحدا وكان نصب (إنّ) نصبًا ضعيفًا -وضعفه أنه يقع على الاسم ولا يقع على خبره- جاز رفع الصابئين.
الثاني: أنَّ (إنَّ) في قوله تعالى: (إنَّ الذين آمنوا) ليست هي (إنَّ) الناسخة، التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، بل هي بمعنى: نعم؛ يعنى: حرف جواب، فلا تعمل في الجملة الاسمية لا نصبًا ولا رفعًا، وعلى هذا فالذي بعدها مرفوع المحل؛ لأن (الذين) اسم موصول، وهو مبنيٌّ في محل رفع، وكذلك (الصابئون) فإنه مرفوع لفظًا، مفرده (صابئ) .
وقد استعملها العرب كذلك؛ قال قيس بن الرقيات:
برز الغواني من الشباب ... يلمنني، وآلو مُهُنَهْ
ويقلن شيبٌ قد علاك ... وقد كبرتَ، فقلت إنَّهْ.
أي فقلت: نعم.
وعلى هذا فإن كلا من (الذين) و (الصابئون) و (النصارى) أسماء مرفوعة، فلا خطأ في الآية.
والواقع أن ما ذهب إليه البصريون، هو أقوى ما أورده النحاة في توجيه رفع: (الصابئون) في هذه الآية الكريمة.
وتبقت آراء دون رأي البصريين في الحجة، منها:
-أن يكون (الصابئون) عطفًا على المضمر المرفوع في (هادوا) ، و (هادوا) بمعنى: تابوا.
-أن (الصابئون) عطف على الصلة بحذف الصدر أي: الذين هم الصابئون، ولا يخفى بعده.