واستشهد الزمخشري أيضًا في تفسير أوائل البقرة ببيت من شعره، وقال (1) : وهو إن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزل ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه. اهـ
واعتُرِض عليه بأن قبول الرواية مبني على الضبط والوثوق، واعتبار القول مبنيٌّ على معرفة أوضاع اللغة العربية والإحاطة بقوانينها، ومن البيّن أن إتقان الرواية لا يستلزم إتقان الدراية. وفي الكشف أن القول رواية خاصة، فهي كنقل الحديث بالمعنى.
وقال التفتازاني في القول بأنه بمنزلة نقل الحديث بالمعنى: ليس بسديد؛ بل هو بعمل
الراوي أشبه، وهو لا يوجب السماع، إلا ممَّن كان من علماء العربية الموثوق بهم، فالظاهر أنه لا يخالف مقتضاها، فإن استؤنس به ولم يُجعل دليلًا، لم يَرد عليه ما ذكر ولا ما قيل، من أنه لو فتح هذا الباب لزم الاستدلال بكل ما وقع في كلام علماء المحدثين كالحريري وأضرابه، والحجة فيما رووه لا فيما رأوه. وقد خطئوا المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة كما هو مسطور في شروح تلك الدواوين.
وقال السيوطي: أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدَثين في اللغة والعربية.
وأول الشعراء المحدثين بشار بن برد،. . .، ونقل ثعلب عن الأصمعي أنه قال: خُتم الشعر بإبراهيم بن هَرْمة وهو آخر الحجج.
وكذا عدّ ابن رشيق في العمدة طبقات الشعراء أربعًا، قال: هم جاهلي قديم، ومخضرم، وإسلامي، ومحدث. قال: ثم صار المحدثون طبقات أولى وثانية على التدريج هكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا.
وأما قائل الثاني (1) فهو إما ربنا تبارك وتعالى، فكلامه -عز اسمه- أفصح كلام وأبلغه، ويجوز الاستشهاد بمتواتره وشاذه، كما بينه ابن جني في أول كتابه"المحتسب"وأجاد القول فيه.
وأما الاستدلال بحديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقد جوَّزه ابن مالك،. . .، وقد منعه ابن الضائع وأبو حيان، وسندهما أمران:
أحدهما: أن الأحاديث لم تنقل كما سُمعت من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنما رويت بالمعنى.
وثانيهما: أن أئمة النحو المتقدمين من المِصْرَين لم يحتجوا بشيء منه.