قال الأندلسي: علوم الأدب ستة: اللغة والصرف والنحو، والمعاني والبيان والبديع؛ والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب، دون الثلاثة الأخرى فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من المولَّدين؛ لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم؛ إذ هو أمر راجع إلى العقل، ولذلك قُبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري، وأبي تمام، وأبي الطيب وهلم جرا.
وأقول (عبد القادر البغدادي) : الكلام الذي يستشهد به نوعان: شعر وغيره.
والشعراء قسمهم العلماء على طبقات أربع:
الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم مَن قبل الإسلام، كامرئ القيس والأعشى.
الثانية: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد وحسان.
الثالثة: المتقدمون، ويقال لهم الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام، كجرير والفرزدق.
الرابعة: المولَّدون، ويقال لهم المحدَثون، وهم مَنْ بعدهم إلى زماننا، كبشّار بن برد وأبي نُواس.
فالطبقتان الأوليان: يستشهد بشعرهما إجماعًا. وأما الثالثة: فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها.
وقد كان أبو عمرو بن العلاء، وعبد اللَّه بن أبي إسحاق، والحسن البصري، وعبد اللَّه بن شبرمة، يُلحَنون الفرزدق والكميت وذا الرُمَّة وأضرابهم،. . .، في عدة أبيات أخذت عليهم ظاهرًا؛ وكانوا يعدونهم من المولَّدين؛ لأنهم كانوا في عصرهم، والمعاصرة حجاب.
وقال ابن رشيق في العمدة: كل قديم من الشعراء فهو محدَث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله. وكان أبو عمرو يقول: لقد أحسن هذا المولَّد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره -يعني بذلك شعر جرير والفرزدق- فجعله مولّدًا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين. وكان لا يعدّ الشعر إلا ما كان للمتقدمين، قال الأصمعي: جلست إليه عشر حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي.
وأما الرابعة: فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقًا؛ وقيل يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشري.