60 -ثم رد على الاستفهام التهكمي باستفهام تهكمي مثله فقال: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} ؛ أي: قل لهم يا محمد هل أخبركم أيها المستهزئون بديننا وأذاننا {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ} ؛ أي: بمن هو شر وأقبح مثوبة وجزاء عند الله تعالى من ذلك القوم الذين اتخذتم دينهم وأذانهم هزوًا ولعبًا يعني: المؤمنين، واستعمال المثوبة في الجزاء الحسن، أكثر من استعمالها في الجزاء السيء كما هنا، وقيل إن استعمالها في الجزاء السيء من باب التهكم والإزدراء كقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وهذا السؤال يستدعي سؤالًا منهم عن ذلك الذي هو شر، فكأنهم سألوه وقالوا من هو؟ فأجابهم بقوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} ؛ أي: الذي هو شر من ذلك القوم الذين اتخذتم دينهم هزوًا ولعبًا من لعنه الله سبحانه، وطرده وأبعده من رحمته {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} ؛ أي: وانتقم منه؛ لأن الغضب إرادة الانتقام من العصاة، أو سخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ} ؛ أي: مسخ بعضهم قردة، وهم أصحاب السبت في زمن داود، وهم اليهود. {و} مسخ بعضهم {الخنازير} وهم كفار أهل مائدة عيسى، بعد أكلهم من المائدة، وقيل: كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة، ومشايخهم خنازير {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ؛ أي: وأطاع الشيطان في وسوسته وتزينه لهم الكفر والمعاصي التي منها عبادة العجل، وعبارة الواحدي هنا: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} ؛ أي: أخبركم {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} ؛ أي: بشر من المسلمين الذين طعنتم عليهم {مَثُوبَةً} ؛ أي: جزاء وثوابًا {عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} ؛ أي: هو من لعنه الله؛ أي: أبعده عن رحمته انتهت. والمعنى: قل هل أنبئكم بشر من أهل ذلك الذين مثوبة؟
فإن قلت هذا يقتضي أن الموصوفين بذلك .. محكوم عليهم بالشر لأنَّه تعالى قال {بشر من ذلك} ، ومعلوم أنَّ الأمر ليس كذلك فما جوابه؟
قلت: جوابه أنَّ الكلام خرج على حسب قولهم واعتقادهم، فإنَّ اليهود حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر، فقال لهم: هب أن الأمر كذلك لكن من لعنه الله وغضب عليه ومسخ صورته شر من ذلك.